
الملتقى العربي الأول للتنمية الإنسانية
(نحو إقامة مجتمع المعرفة)
المنامة: 8-9 ديسمبر 2004م
ذاكر آل حبيل
(الزمن الراهن هو ساحة معركة والمعرفة هي سلاحنا)
(إدوارد سعيد)
تحت شعار (نحو إقامة مجتمع المعرفة) انعقد في مدينة المنامة بمملكة البحرين (الملتقى العربي الأول للتنمية الإنسانية) والذي نظمته (جمعية البحرين النسائية) بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، والذي يأتي في سياق (تمكين كوادر قائدة تساهم في مسيرة التنمية الإنسانية)، وإيجاد آلية لتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، لتأسيس حركة مجتمعية، لتصميم وعمل برامج تحقق الاستفادة من تقارير التنمية الإنسانية العربية، والمساهمة في بناء التنمية الإنسانية بوجه عام.
إن ما سعت إليه (جمعية البحرين النسائية) في جهدها التنظيمي هذا كما جاء في مقدمة برنامج المنتدى، هو العمل مع الجهات الأخرى على المستوى الإقليمي، لتحقيق الفائدة الكبرى من خلال تبادل وتلاقح الثقافات، ونقل الخبرة بين البلدان العربية، وتقوية التعاون لتحقيق مقاصد التنمية، وتمكين كوادر قائدة تأخذ على عاتقها مد الجسور وتغيير وجه الحياة في عموم الوطن العربي، وصنع عالم جديد ونبيل للبشر جميعاً، كما يطمح ويرمي إليه تقرير التنمية الإنسانية، والتغلب على الصعوبات التي تعيق بناء التنمية والإصلاح في الوطن العربي.
ويأتي كل هذا ضمن أهداف عامة يرتجي الملتقى تحقيقها، ومنها:
1- إيجاد القادة والمؤسسات القيادية، القادرة على إعداد وتنفيذ برامج للتنمية الشاملة، لإطلاق الطاقات البشرية وتوظيفها بكفاءة لبناء التنمية الإنسانية.
2- إيجاد قاعدة لتوثيق عرى التفاعل مع الثقافات الإنسانية.
3- تأسيس وسائل اتصال دورية، باستعمال تقانة المعلومات والاتصال الأحدث لنقل خبرة الكفاءات العربية في الإصلاح.
4- إشراك مؤسسات المجتمع المدني في عملية وآليات التنمية وفي اتخاذ القرار.
5- إيجاد فرص ونماذج من أعمال مؤسسات المجتمع المدني في المساهمة الفعالة في إعادة تشكيل النظام العالمي كي يصبح أكثر عدالة.
ويستهدف هذا الملتقى مشروعاً طموحاً يستغرق ثلاث سنوات، يتم فيها مناقشة نتائج تقارير التنمية الإنسانية العربية للأعوام: 2002، 2003، 2004م، التي تتناول معوقات بناء التنمية الإنسانية، التي أجملها تقرير التنمية الإنسانية العربية الأول 2002م في نواقص ثلاثة: الحرية، وتمكين المرأة، والقدرات ـ خاصة المعرفة.
هذا وقد عقد الملتقى الأول ليُعنى بالنواقص المذكورة في تقرير التنمية الإنسانية العربية حسب تسلسلها.
كما أن الملتقى استهدف بشكل عام مساهمة الجهات المشاركة، من خلال المؤسسات التي تشرف عليها، في إقامة مجتمع المعرفة، وتحويل المفاهيم إلى برامج عملية ملموسة، للنهوض بالفرد والمجتمع في الوطن العربي، ليواكب مصاف الدول المتقدمة.
أما أهدافه الفرعية فهي كما يلي:
1- مناقشة المفهوم المعرفي في الوطن العربي من منظور التنمية الإنسانية.
2- التعرف والاطلاع على التجارب الناجحة في الدول العربية، والتحديات والصعوبات التي تواجهها المؤسسات في تنفيذ برامجها وكيفية التغلب عليها.
3- تبادل وتلاقح الثقافات ونقل الخبرة بين البلدان العربية، وتعزيز التعاون والتواصل لتحقيق مجتمع المعرفة.
4- التعرف على الأساليب الحديثة لنشر المعرفة.
5- نشر تعاليم راقية النوعية في الوطن العربي، عن طريق تطبيق المناهج الحديثة في التعليم، ورفع كفاءة جودة التعليم.
6- السعي لعمل نقلة نوعية في برامج مؤسسات المجتمع المدني، وتغيير النمط التقليدي السائد، بحيث يرقى من خلال مساهمات تلك المؤسسات الأهلية بدور فاعل لتحقيق مجتمع المعرفة.
هذا وقد جاءت أعمال المؤتمر التي توزعت في يومي الثامن والتاسع من شهر ديسمبر من عام 2004م، بشكل مكثف في طبيعة البرنامج المعد، والذي خصص يومه الأول لعرض نماذج من الدول المشاركة، في كيفية المساهمة في إقامة مجتمع المعرفة. وكان اليوم الثاني حافلاً بورشة عمل حول تفعيل محاور تقرير التنمية، في برامج عملية تنهض بالفرد والمجتمع.
أما المحاور الرئيسية للملتقى فقد تشكلت (من منظور الرؤية الاستراتيجية لإقامة مجتمع المعرفة):
- المحور الأول: (النشر الكامل للتعليم راقي النوعية، مع إيلاء عناية خاصة لطرفي المتصل التعليمي) ضمن محورين فرعيين:
أ - إيلاء أولوية للتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة.
ب- ترقية جودة النوعية في جميع المراحل.
- المحور الثاني: (تأسيس نموذج معرفي أصيل، منفتح، ومستنير)، وينبثق منه المحاور الفرعية التالية:
* العودة إلى صحيح الدين، وتخليصه من التوظيف المغرض، وحفز الاجتهاد وتكريمه.
* النهوض باللغة العربية.
* إثراء التنوع الثقافي داخل الأمة، ودعمه، والاحتفاء به.
وفي حفل الافتتاح الذي جاء حافلاً بالمعنى والمغايرة والتجديد والابتكار، ابتدعت جمعية البحرين النسائية أسلوباً شيقاً، أوجزت فيه بشكل درامي أقرب للتمثيل المسرحي المشبع بمؤثرات صوتية وضوئية، لبَّ القضية، وهي المعوقات الأساسية في طريق إقامة مجتمع المعرفة، فمشهد عن أسباب هجرة الأدمغة، ومشهد عن إشكالية التعليم الأساسي للصفوف المبكرة، ومشهد عن طبيعة التحيز الأسري لنمطية التوجيه للتخصصات المبتغاة في التعليم العالي؛ أما المشهد الأخير فكان مشحوناً بأزمة اللغة العربية وغربتها في التعليم العالي. وقد تحدث في حفل الافتتاح الدكتور خالد علوش الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عن أهمية تشجيع التعاون المشترك بين القطاع الحكومي ومؤسسات المجتمع المدني بشكل أكثر فاعلية، انطلاقاً من كون المعرفة عملية تراكمية تحتاج إلى جهد متواصل، فهي المشعل الذي ينير المجتمع، كما أشار الدكتور علوش إلى أن الأمم تقاس بما تملكه من معرفة، خاصة وأنها باتت في الألفية الثالثة من أهم متطلبات العصر، وشدّد على القول: إن معنى المعرفة يشمل جميع المجالات المعرفية، وليس حكراً على مجال محدد؛ مضيفاً قوله: إن المعرفة جزء لا يتجزأ من عقيدتنا السماوية، وذلك أن كل الديانات دعت الإنسان وحثته على التعليم الذي دونه يصبح ناقصاً.
بعد ذلك تحدث الدكتور معن النسور مستشار متقدم لشؤون البرامج في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث ذكر التلازم الذي صدر على أساسه تقريرا التنمية الإنسانية العربية في عامي 2002م /2003م فيما يخص تنمية الإنسان، حيث تناولا قضايا إنشاء مجتمع المعرفة، والمشكلات التي تعترض نمو المجتمعات العربية وتقدمها، ومدى إمكانية هذه المجتمعات لاستقبال ما يحدث من طفرات على شتى الصعد في القرن الواحد والعشرين، باعتبارها ضرورية لإقامة مجتمعات المعرفة الحرة التي يديرها الحكم الصالح.
كما تحدثت الدكتورة وجيهة البحارنة رئيسة جمعية البحرين النسائية، التي نظمت الملتقى، عن أهم معوقات بناء التنمية الإنسانية والتي أجملها التقرير في نواقص ثلاث؛ وهي: المعرفة ـ الحرية ـ وتمكين المرأة، ثم تساءلت عما يجب على مؤسسات المجتمع المدني فعله، وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه؟ وهل ينبغي لها القبول بمجرد الاطلاع على التقرير، دون المضي ولو بخطوة واحدة لتضيء بصيصاً من أمل؟ وأكدت الدكتورة البحارنة على ضرورة التذكر أن الأمة لديها طاقات كامنة، وأن قيمنا الدينية تحمل قيمة اعتبارية عالية للإنسان، القادر بدوره على تحقيق التغيير ليس في أمته فحسب، وإنما في العالم قاطبة.
* اليوم الأول
الجلسة الأولى في اليوم الأول كانت للمحور الأول، الذي جاء بعنوان: (تأسيس نموذج معرفي عربي عام، أصيل، منفتح، مستنير) قدمت فيها الورقة الأولى الدكتورة رفيعة غباش رئيسة جامعة الخليج العربي، وكانت ورقتها مكرَّسة لتقرير التنمية العربية الإنسانية، استقراءً نقدياً لمعضل التنمية، وتصعيداً لسؤال عن ماهية الفجوة المعرفية بيننا كأمة، وبين الأمم التي تقدمت، وقاربت الدكتورة غباش طبيعة الأسس التي يجب اعتمادها لتخطي تلك الفجوة، التي لامسها التقرير في جوهره. وطالبت الدكتورة غباش بوضع سيناريوهات لمعالجة ما أسمته مصائب ومآسي الوضع المعرفي في تقرير التنمية 2003م، وذلك بتجديد النظم التربوية البالية الشحيحة الموارد.
وجاءت الورقه الثانية للجلسة بعنوان (دور المفكرين في تأسيس مجتمع المعرفة) وهي للمفكر الأردني د. إبراهيم بدران، الذي قدم مقترحاً نموذجياً جديداًً للمفكرين العرب للاشتغال الفكري الجاد، لكي يسهموا بدورهم في تأسيس ضمني لمجتمع المعرفة، ومما قاله في ورقته: في أطروحته الشهيرة والمعنونة (التخلف الاقتصادي في منظور تاريخي) طرح الكسندر جيرشينكرون Alexander Gerschenkron السؤال التالي:
* ما الذي يحتاجه بلدٌ متخلفٌ وتابعٌ لكي يأخذ بالتصنيع ويلحق بمن سبقه من البلدان؟.
وكانت إجابة جيرشينكرون: (تلزمه القدرة على اجتياز فجوة المعرفة والممارسة، التي تفصل الاقتصاد المتخلف عن الاقتصاد المتقدم).
وهذا يعني أن ما يفصل التقدم عن التخلف هو (فجوة المعرفة). وإذا كان الاقتصاد هو العمود الفقري للحالة الحضارية للمجتمع من حيث التقدم والتخلف، فإن فجوة المعرفة Knowledge Gap هي البوابة الرئيسية للانتقال من حالة التخلف إلى حالة التقدم، سواء كنا نتحدث عن التخلف الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو العلمي، أو الزراعي، أو التخلف الحضاري بوجه عام.
والمعرفة في هذا الصدد ليست البيانات والمعلومات، سواء كانت شفهية أو ورقية أو إلكترونية، وإنما هي بالدرجة الأولى:
ما يتأتى عن توظيف المعلومات من إدراك جديد وتعمق مركب ومهارة متركبة يمثل جزءًا من المعرفة.
إن المعرفة هي:
(الإمكانات والخبرات الفردية والمؤسسية والمجتمعية، الناشئة من التفاعل الديناميكي بين العقل والعلم والفكر والمهارة والتكنولوجيا، من خلال توظيف كل ذلك في العملية الإنتاجية، من سلع وخدمات وأفكار ومعارف، وفي إطار من التشابكات الأفقية والعمودية العميقة).
ومن جهة أخرى فقد أصبح من القواعد المستقرة لدى الباحثين في التنمية وفي نهوض الأمم، أن ثروات الأمم لم تعد تلك الخامات والمعارف والثروات الطبيعية التقليدية، من أراضٍ وإمكانات طبيعية في جوفها، أو ملايين السكان الذين يعيشون على سطحها، وإنما ثروة الأمم هي ثروة المعرفة.
وهذا يفسر بكل وضوح، كيف أصبحت بلدانٌ فقيرةٌ في مواردها الطبيعية، غنيةٌ في مواردها المعرفية، مثل اليابان وسويسرا والدنمارك وسنغافورة، من أغنى الدول في العالم، والأعلى من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، فيصل في اليابان إلى (38) ألف دولار، وفي سويسرا (33) ألفاً، والدنمارك (30) ألفاً، وسنغافورة (23) ألفاً، في حين أن بلداناً من أغنى دول العالم في المصادر الطبيعية، مثل روسيا والبرازيل، لا يتعدى نصيب الفرد فيها 1730 دولاراً و 3490 دولاراً على التوالي.
وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة إلى المعرفة Knowledge اختصاراً على (أنها منظومة الإمكانات المتأتية عن توافر مفردات العلم والتكنولوجيا والخبرة الناشئة عن توظيفها في العمليات الإنتاجية).
وهذا يعني أننا نتحدث عن (7) أعمدة رئيسية للمعرفة:
|
العلم |
Science |
|
التكنولوجيا |
Technology |
|
الإنتاج |
Production |
|
التوظيف |
Employment |
|
الخبرة |
Experience |
|
المنظومة |
System |
|
التراكم |
Accumulation |
|
الديناميكية |
Dynamic |
وبطبيعة الحال فإن غياب أحد هذه الأعمدة، أو ضعفه أو هزاله، من شأنه أن يضائل من القيمة النوعية للمعرفة، وبالتالي يضائل من دورها في عملية التقدم. وينبثق عن هذه الأعمدة الرئيسية عناصر فرعية ترتكز إليها وتتمثل في:
|
* الرقمية Digitalism |
فالعلم لا يقوم دون عقلية رقمية ودون تعليم وبحث علمي |
|
* المجتمعية Societalism |
والتكنولوجيا والتوظيف لا يتم دون مجتمع |
|
* الإبداع Innovation * القياسية Standardization |
فالإنتاج لا يتصاعد باضطراد والتكنولوجيا لا تتقدم دون إبداع ودون مراجع قياسية للنوعية والمنتجات |
|
* الاستثمار Investment |
فلا توظيف ولا إنتاج ولا علم دون استثمار في البحث العلمي والتطوير التكنولوجي |
|
*المؤسسية Institutionalism |
إذ لا تتراكم الخبرة وتنتقل وتتحول إلى معرفة متنامية دون مؤسسات مستقرة تحكمها علاقات إدارية وقانونية متطورة ومتفاعلة مع التغير الذي يحدث في المجتمع |
والدارس لتقدم الحضارة الإنسانية يلاحظ بكل وضوح أنه مع ارتقاء المعرفة أخذت الحضارة بالارتقاء، وأن القفزات الحضارية كانت ترتكز دائماً على قفزات معرفية واضحة المعالم. ينطبق ذلك على الحضارة الإغريقية والرومانية والإسلامية، كما ينطبق على الحضارة الغربية ابتداء من القرن الثالث عشر وانتهاء بالقرن الحادي والعشرين. وسيستمر الأمر كذلك على مدى العصور. كذلك فإن تدهور الحضارات قد رافقها تدهور في الإنتاج، وتدهور في المعرفة، وهو ما يميز سقوط أو تراجع الحضارات القديمة والوسيطة.
مجتمع المعرفة
يستعمل تعبير مجتمع المعرفة K-Society أو Knowledge Society للإشارة إلى المجتمعات الصناعية المتقدمة، التي تعتمد أكثر فأكثر على المعرفة في اقتصادياتها، وفي إدارتها وفي صنع مستقبلها، بدلاً من الاعتماد على شيء آخر ممثلاً بالعادات، أو التقاليد أو الثقافة، أو الحكمة الشخصية أو الإلهام أو النباهة.
لقد كانت إمكانات المجتمعات والأفراد في صنع القرار، وإنجاز المهام وتحقيق الأهداف، ومواجهة متطلبات الحياة والتعامل مع الطبيعة، وسد احتياجات الفرد والمجتمع، من احتياجات مادية ومعرفية وروحية تعتمد في العصور القديمة على الجهود الفردية. ومع تطور الحضارة الإنسانية وارتقائها، وتوغل المجتمعات الإنسانية في عالم المعرفة شيئاً فشيئاً، من خلال العمليات الإنتاجية، والاكتشافات والاختراعات، والعلم والتعليم والبحث العلمي والإبداع والمغامرة، أخذت المجتمعات تدريجياً تقلل من اعتمادها على الجهد العضلي والموارد الطبيعية المتاحة، ليتزايد اعتمادها على المعرفة والخبرات التي أخذت تنتج البدائل الأفضل للجهد العضلي، ممثلاً بالآلات والماكنات والأنظمة، والبدائل للموارد الطبيعية المتاحة من خلال التركيب الجديد للمواد والمركبات، ولم تكن المجتمعات متماثلة في هذا التحول، فأخذ مجتمع يسبق آخر، ومجتمع يتخلف عن آخر، حتى أصبحت الكرة الأرضية تضم أطيافاً من المجتمعات، بعضها بالغ التقدم والارتقاء والاعتماد المعرفي، كالدول الصناعية المتقدمة كالولايات المتحدة الأمريكية، والدول الأوروبية المتقدمة واليابان، مروراً بمجتمعات متوسطة التقدم، وانتهاء بمجتمعات معزولة وصغيرة على درجة كبيرة من البدائية والتخلف. والفارق الأساس بين هذه المجتمعات هو الفارق المعرفي Knowledge Differential أو الفجوة المعرفية على المستوى الواسع.
لقد ساعدت ثورة الاتصالات التي اجتاحت العالم في النصف الأخير من القرن العشرين، على إعطاء المعرفة مزيداً من الديناميكية الأفقية والعمودية بالنسبة للمجتمع، وبالنسبة للمجتمعات على المستوى العالمي، وكان ذلك جزءاً من العوامل المحفزة لعولمة المعرفة. غير أن المعرفة بالمفهوم الذي أشرنا إليه، لا تتحول من الحالة العولمية (أي إمكانية الاستفادة منها على مستوى المجتمع العالمي)، إلى الحالة المجتمعية الخاصة (أي لتصبح جزءاً من إمكانات مجتمع معين، كالمجتمع العربي أو المجتمع الأردني أو المصري أو البحريني... الخ)، إلا إذا انخرط المجتمع المعني بالممارسة والتطبيق. وهذا يقودنا الى مسألة بالغة الأهمية وهي: أن المعرفة ليست مسألة نخبوية، ولا هي مسألة نظرية، أو رؤية ثقافية، أو فكرة فلسفية، أو مقاربة تاريخية، إذا تم الاطلاع عليها تحققت الغاية، وإنما المعرفة بالضرورة وبالدرجة الأولى، هي الممارسة الفعلية للإنتاج القائم على مداخلات العلم والتكنولوجيا المتصاعدة.
ومن هنا فإن تأكيد (الصفة المعرفية على المجتمع) ليصبح مجتمع معرفة، تعني بالضرورة: أننا أخذنا نشهد تصاعد مقدرته الإنتاجية، بالاعتماد على العلم والتكنولوجيا، ولأن الإنجازات العلمية والتكنولوجية أخذت تتقدم في العقود الماضية بخطوات سريعة، بل أخذنا نشهد قفزات وثورات علمية وتكنولوجية متلاحقة، فإن الإنتاج السلعي والخدمي والمعرفي القائم على هذا العلم وتلك التكنولوجيا، أصبح يشهد بالكيفية نفسها قفزات بل وثورات هائلة، نكاد نلمسها في كل منحى من مناحي الحياة، في المركبات الفضائية وغزو الفضاء، وفي اقتحام أعماق البحار، وفي أنظمة الحاسوب والاتصالات، تماماً كما في الطب وفي هندسة المواد، وصولاً إلى التكنولوجيا الميكروية والنانوية Micro and Nano Technology، حيث يلتقى العلم والتكنولوجيا والإنتاج على المستوى الجزيئي للمادة، إزاء كل ذلك فإن مجتمع المعرفة الحديث، هو المجتمع الذي يستطيع أن يتعامل ويتفاعل وينتج، ويشارك ويساهم ويبدع في كل هذا أو أجزاء منه.
أما المجتمعات التي لا تستطيع إمكاناتها المعرفية أن تصل الى المستوى المتقدم، فإنها بالضرورة هي المجتمعات التي لا تستطيع أن تصل بإنتاجها الاقتصادي من سلع وخدمات إلى المستوى المتقدم، وبالتالي هي المجتمعات النامية أو الأقل نمواً، حسب حجم الفجوة المعرفية وما ينجم عنها من فجوات حضارية مختلة.
ولأن الإنتاج المتقدم والمعرفة المتقدمة، لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال مجتمع قادر على توفير البيئة المناسبة لهذا النوع من الإنتاج ومن المعرفة، وهذه البيئة تشمل مفردات اقتصادية واجتماعية وعلمية وإدارية وتكنولوجية وفكرية وثقافية متعددة ومتركبة ومتداخلة، فإن الربط بين التنمية أو النمو الاقتصادي الاجتماعي وبين المعرفة، يصبح واضحاً ومباشراً. وهذا ما يدفع الباحثين وخبراء التنمية، سواء في الأمم المتحدة أو اليونسكو أو غيرها من المؤسسات الدولية، لأن تربط ربطاً قاطعاً ومحكماً بين المعرفة والتنمية إلى حد كبير، وبين المعرفة والتقدم. إن المعرفة شرط أساسي وجوهري للنهوض والتقدم في إطار الحاضر والمستقبل، وإن يكن فليس هو الشرط الوحيد والكافي لذلك.
مقاييس المعرفة
إن هذا الدور الذي تلعبه المعرفة في حياة المجتمعات، والنظر في توزيع الأدوار لتحفيز الواقع المعرفي وتطويره، يقتضي وبالضرورة التعرف على حيثيات المعرفة ومؤشراتها Knowledge Parameters. وتحتل هذه المسألة أهمية خاصة في المجتمعات ذات الحضارة العريقة، كالمجتمعات العربية، بسبب الاختلاط والارتباك الذي يقع لدى المفكرين والمخططين والمثقفين والسياسيين إزاء هذا الموضوع.
لقد اعتاد الكثيرون من المثقفين والمفكرين أن يتعاملوا مع المعرفة من منظور تاريخي انتقائي، ومن مواقف افتراضية ترتكز إلى السبق في الماضي وليس التفوق في الحاضر. وراح بعض المثقفين بدافع المشاعر الوطنية والقومية، يربط ربطاً مفتعلاً بين المعرفة بالمفهوم التراثي وبين المعرفة بالمفهوم المعاصر، رغم تغير الزمان والمرجعية، مما أدى إلى كثير من الارتباك والتعثر في الجهود الرامية للارتقاء المعرفي. كل ذلك يجعل من الضروري الإشارة إلى حيثيات المعرفة المعاصرة ومؤشراتها. ولعل أهم هذه الحيثيات والمؤشرات يمكن إيرادها على النحو التالي:
* البحث العلمي والتطوير التكنولوجي R&D
* مؤسسات البحث والتطوير Institutions
* مؤسسات التعليم العالي والمهني ونوعية التعليم
* الإنتاج السلعي والخدمي
* التشابك Networking
* تكنولوجيا المعلومات
* الاتصالات
* التأليف والترجمة والنشر
* الاختراعات والإبداع
* الاستثمار في الثقافة والفنون
* الصناعات العلمية والتعليمية والثقافية
* التشابك القطاعي
* التشابك غير القطاعي
* القرائية
* التعليم المستمر
* تعليم المرأة ومشاركتها وتمكينها
* المراكز المتخصصة
* منظمات المجتمع المدني
* التأليف والنشر المهني المتخصص
* قدرة الفرد على الإنفاق على متطلبات المعرفة
* قدرة المجتمع على التخصيص للتعليم والعلم والتكنولوجيا
* المشاريع الجديدة
* الريادية Entrepreneurship
ونحن إذا استعرضنا هذه الحيثيات والمؤشرات بين الدول المتقدمة من جهة، والدول النامية من جهة أخرى، وبشكل خاص المجتمعات العربية، نلاحظ ضخامة الفرق المعرفي، وعمق الفجوة المعرفية التي ينبغي تجاوزها، وينبغي على الجميع المساهمة في تجسيرها.
الشروط البيئية للمعرفة
وعلى الرغم من وجود أدوات ووسائط ومناهج وممارسات لتجديد المعرفة، وتحويل المجتمع الى مجتمع منتج للعلم وللسلعة وللخدمة وللمعرفة، إلا أن تجدد الحالة المعرفية وتناميها، وتحولها إلى ارتياد آفاق المستقبل، واكتشاف المجهول في الحياة وفي الطبيعة، هذا التجدد لا يتم إلا من خلال الإبداع والابتكار والمخاطرة والاستثمار في كل ذلك.
ومن جهة أخرى فإن التجدد والإبداع والابتكار، يتطلب بيئة خاصة تقوم على الحرية واحترام حقوق الإنسان بشكل دائم وكامل، كما ويتطلب إزالة جميع أشكال الوصاية الفكرية والسياسية والإيديولوجية والدينية والثقافية. وهذا يتطلب في معظم جوانبه الحاكمية الجيدة Good Governance.
وإذا نظرنا إلى المجتمعات التي تحتل مكانة متقدمة في كونها مجتمعات معرفة، نلاحظ أنها تتفوق تماماً في المحافظة على الحريات والاحترام الكامل لحقوق الإنسان وغياب الوصاية، وتتمتع بحاكمية جيدة.
ينطبق هذا على مجتمعات صغيرة في الدنمارك أو إيرلندا أو هولندا أو بلجيكا أو سنغافورة، وعلى مجتمعات متوسطة مثل ألمانيا وفرنسا واليابان وبريطانيا، أو مجتمعات كبيرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد تراءى لبعض المفكرين في القرن الماضي، وخاصة المفكرين الانقلابيين واليمينيين والشموليين والمتعصبين والأحاديي الرؤية اليساريين، تراءى لهم إمكانية الجمع بين المعرفة وغياب الحريات، والجمع بين المعرفة وانتهاك حقوق الإنسان، وتعايش الإبداع مع القهر، وترعرع التجديد في ظل احتكار السلطة، وغير ذلك من أشكال الحكم التي تتتالى على بيئة قمعية أو قهرية أو تسلطية أو متخلفة أو غير عصرية.
ولكن التجربة التاريخية لمختلف الشعوب، بينت أن التحول إلى مجتمع متقدم، مجتمع المعرفة، يتطلب بيئة تزدهر فيها الحريات، وينمو فيها التنوع، وتغيب فيها وصاية الدولة أو الإيديولوجيا، وتصبح حقوق الإنسان جزءاً من البنية القانونية والحضارية للدولة. ولعل ما حدث في دول الاتحاد السوفياتي السابق، والكتلة الشرقية السابقة، يمثل الأنموذج الكلاسيكي لهذه الحالة.
أما الصين فقد أدركت ضرورة التغيير قبل أن تصل إلى الانهيار أو الطريق المسدود، فأخذت تتحول تدريجياً في الاقتصاد وفي السياسة وإن لم تعلن ذلك. كما أن إسبانيا والبرتغال تعطيان نموذجاً يستحق الاهتمام. فقد كان هذان البلدان في النصف الأول من القرن العشرين، محكومين بنظامين قمعيين، هما نظام فرانكو في إسبانيا وسلازار في البرتغال، وكان البلدان آنذاك في ذيل قائمة الدول الأوروبية.. وما إن تغير نظام الحكم، وتحول البلدان إلى الديموقراطية والحريات، حتى تسارعت معدلات النمو فيهما، حيث تحول نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2002م إلى (14150) دولاراً في إسبانيا و(10500) دولار في البرتغال.
إن مسألة الشروط البيئية للمعرفة، لها أهمية خاصة في المنطقة العربية. أولاً بسبب غياب الحريات، وعدم ضمان حقوق الإنسان، والهوة الكبير بين المرأة والرجل، وعدم قبول التنوع أو الاعتراف به. وكذلك غياب الديموقراطية المستقرة المنتظمة، وضعف المشاركة الجماهيرية، وسوء الحاكمية، وبطء عمليات الإصلاح، بل والالتفاف على الإصلاح والتهرب من استحقاقاته، تحت دعاوى ثقافية ودينية واجتماعية زائفة. وكذلك استمرار وصاية الدولة على الفكر والرأي والموقف، الأمر الذي أدى إلى تسطيح المعرفة، وتحويلها إلى قشرة خارجية خفيفة، نظراً لضعف الاستثمار في وسائل ووسائط اكتساب المعرفة، ونظراً لعدم المشاركة الشعبية الحرة في توجيه الاستثمارات، ووضع برامج الأولويات، مما أحبط كافة المتطلبات البيئية لتنامي المعرفة وتجذيرها في جسم المجتمع.
وتحت وطأة الضغط الرسمي، وبسبب ضعف القاعدة العلمية في الثقافة العربية، اتجه الكثير من المفكرين والمثقفين العرب إلى الماضي، للبحث فيه وإعادة إنتاج الكثير من مقولاته، لأن ذلك أمراً لا يتأتى عنه خلاف مع السلطة. غير أن ذلك التوجه كان على حساب التأسيس لنموذج معرفي عربي حداثي. وسادت روح الإسقاط والافتراض، واستحضار الماضي وتضخيم أحداثه، وتحويل إنجازات الحقبات المشرقة النسبية إلى انتصار وهمي معاصر. وهذا طغى على الكثير من متطلبات المواجهة والتغيير التي تقوم عليها الحضارة المعاصرة.
نحو نموذج معرفي عربي
ليس المطلوب افتراض نموذج معرفي عربي له خصوصيته الخاصة، لكي يختلف في جوهره عن النماذج المعرفية للمجتمعات المتقدمة. ذلك أن أساسيات النهوض والتقدم هي واحدة لمختلف الشعوب والأمم، لأنها ترتبط بالإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً. أما الاختلاف فهو في التفاصيل الفرعية والبرامج والاقترابات التنظيمية والإدارية والثقافية. ومن حسن الحظ أن هناك دولاً متقدمة في العالم، جزءٌ منها أوروبي، وآخر آسيوي، وآخر من أمريكا الجنوبية مثل تشيلي، إن تجارب هذه الدول وأصولها وعروقها وثقافاتها ودياناتها وبيئاتها المناخية والجغرافية مختلفة. كذلك فإن تاريخ كل منها ولغته مختلفان. وفي داخل أوروبا فإن التجربة الأوروبية ليست واحدة، فقبل مائة عام حين كانت الإمبراطورية البريطانية تبسط نفوذها على نصف العالم، كانت السويد وفنلندا والنرويج وإيرلندا بلاداً فقيرة. بل وعانت السويد من المجاعات، وعانت النمسا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية من المجاعة، واليوم نتحدث عن هذه الدول والمجتمعات بوصفها في مقدمة الدول الصناعية. وهذا أمر غاية في الأهمية، وغاية في الطبيعية في الوقت نفسه، وغاية في الارتباك والاختلاط في العقل العربي في الوقت ذاته. وإذا كانت المعرفة ركناً رئيسياً من أركان النهوض والتقدم للإنسان والمجتمع، فلا بد أن يكون النموذج المعرفي في جوهره وأساسياته متشابهاً، بل ومتماثلاً إلى حد كبير.
ويقوم النموذج المعرفي للتقدم على الركائز الأساسية التالية:
1- العـــلم
* البحث العلمي
* الاحتكام إلى العلم
* مساهمة العلماء في صنع القرار
* احترافية العلم والبحث العلمي
* مؤسسية العلم والبحث العلمي
* الاستثمار في العلم والبحث العلمي
* الكتلة الحرجة من العلماء والباحثين
* التشابك بين العلم والحكم والإنتاج
* احتلال العلم مركز الصدارة في الفكر والمعرفة
* اعتبار العلم الفيصل النهائي والحكم الأخير في صنع القرار واتخاذ المواقف والحكم على الأشياء.
2- التكنولوجيا
* التطوير التكنولوجي لمزيد من الاكتشافات والمعارف والإنتاج
* توظيف التكنولوجيا لحل المشكلات الإنسانية والاجتماعية
* احترافية التكنولوجيا والتطوير التكنولوجي
* مؤسسية التكنولوجيا والتطوير التكنولوجي
* الاستثمار في التطور التكنولوجي
* الكتلة الحرجة من التكنولوجيين
* الكتلة الحرجة من الإنتاج المتقدم
* التشابك الوثيق بين التكنولوجيا والعلم والانتاج
3 - الحرية والتحرير
* حرية الفكر والبحث والتطوير
* تحرير المعرفة من الإيديولوجيا والعقائدية
* تحرير المعرفة من السلطة
* حرية الإنسان في الانطلاق بالفكر والعلم الى المدى الذي يستطيع
4 - تجارب وإنجازات الشعوب
* تجارب الشعوب المتقدمة وإنجازاتها مصدر أساسي للمعرفة
5- العقل المجتمعي العلمي.
6- الفكر والثقافة.
7- المخاطرة والاستكشاف.
8- الإبداع والتجديد.
9- الخطاب الديني.
10- الثورة الصناعية.
11- الحاكمية الجيدة.
أما ورقة الأستاذ عيسى الشرقي رئيس جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، والتي جاءت بعنوان (آفاق على خط التجديد، نحو إنسان عربي جديد) عرّج فيها على نحو القراءة النقدية المتقصية لتقرير التنمية الإنسانية، قائلاً: إن واضعي التقرير، قد طلبوا من الناصحين، في الفصل التاسع، النظر لتقريرهم بعين الناقد، وآثروها على عين المادح، صدقاً منهم في طلب الأصوب والأفضل، وإخلاصاً منهم لخدمة هذه الأمة، ولهذا فلنمشِ مع التقرير هذا الممشى، مقدرين لواضعيه، ما أسهموا من خلاله، في تطوير طريقة تفكيرنا لقضايانا، وما أسهموا به من نفائس التشخيص والعلاج لقضايا أمتنا العظيمة.
ولقد ركزت هذه الورقة بداية، على ضرورة الانطلاق من هويتنا الخاصة، ورسالتنا التي نحملها للعالم، فالأمة العربيّة الإسلامية ليست كسواها من الأمم، فهي أمة ترى في نفسها أنها خير أمة أخرجت للناس، ولديها رسالة تبلغها. هذه هي الأرضية التي تؤمن بها جماهير هذه الأمة، ومن الواجب أن ننطلق بالأمة مما تؤمن به، وتراه رسالة لها، لأن ذلك سيكون أدعى لانطلاقها واستجابتها.
ثم تعرضت الورقة إلى الأزمة العميقة التي تعيشها هذه الأمة، والتي أفقدتها القدرة على متابعة الأمم عوضاً عن قيادتها وريادتها، ومن ثم يتبين لنا أهمية التجديد في هذه الأمة، وإعادة تأهيلها وتأهيل إنسانها.
ثم استعرضت بعض القضايا، التي وجدنا أن التقرير إما أغفلها كلياً، أو أغفل جانباً أساسياً فيها، وركز على جانب آخر، كما في التركيز على جانب القدرة المادية غالباً، وذلك لما في غياب هذه القدرات، من تأثير واضح ومباشر على تخلف قدرة أمتنا على المنافسة والتقدم، ولكننا نرى أن الاهتمام بهذا الجانب وحده، لا يسد الخلل، بل هو ليس بأهمية الجوانب المعنوية والأخلاقية والتربوية، التي لم نجد لها في التقرير ما يناسب أهميتها البالغة.
وبعد أن بينا سبل تجديد الفكر الديني، والذي هو الجذر الأساس لخصوصية أمتنا وحضارتنا، وبعد موافقة التقرير في جوهرته الثمينة، من إعلائه لمنزلة الحرية، وضرورتها بوصفها متفاحاً للتقدم والتطور، ذكرنا أن هذه الحرية لا ينبغي قصرها على الحريات العامة للمجتمع، وإنما ينبغي أن تتعمق لتشمل أولاً: الفكر والقول والعمل على المستوى الاجتماعي العام، ثم ثانياً: أن يكون ذلك تمهيداً لخلق الإنسان العربي المسلم الحر فكراً وقولاً وعملاً، والذي هو الجوهرة الثمينة في الحرية، وبه يظهر المفهوم الخاص للحرية في أمتنا، والتي هي الانطلاق في خصوص الفضائل والكمالات، والقدرة على التحكم بالذات. ومن هنا فرّعنا منها فرعاً رأيناه مناقضاً للحرية في المجتمع والإنسان، وهي ظاهرة المذهبيّة، التي ترسخت في أمتنا، حتى صارت من البَدَهِيَّات عند أهلها، صغاراً كباراً، علماء وعوام، فدعونا إلى نبذ هذه المذهبية، على مستوى العلماء أولاً، والعامة ثانياً، ودون هذا النبذ لن نتمكن من التحرر والحرية.
ولما وجدنا أن التقرير يركز في جهة إصلاح مناهج التعليم، ونشر التعليم الراقي النوعية، على جوانبه العلمية والتقنية والفنون والأدب، ويغفل النواحي الأهم، وهي التربوية الأخلاقية والنفسانية وقواعد اللياقة، فقد توسعنا بعض الشيء في ذلك، وذكرنا أهمية أخذ هذه الأمور بطريقة منهجية، ووسائل تدريب عملية، بدلاً من تركها بلا نسق ولا نظام ممنهج.
ثم تعرضنا إلى مشكلة لم نلتفت لتصريح التقرير بها، وهي ضعف حجية العلم التجريبي والرياضي في أمتنا، فهي لا تراه بمستوى حجية النص، حال تنظيم حياتها وتشريعاتها، مع أنه حق، والله يحق الحق، فطالبنا برفع منزلة العلم التجريبي لمستوى الحجية والوثوق، في حل المشكلات ووضع النظم والتشريعات.
ولما كانت اللغة هي مفتاح علمية الفكر، فقد طالبنا بإعادة العلمية للغة العربية، ليس على مستوى ما طالب به التقرير، من مواءمة العربية للعلوم، وزمان الشبكة الدولية للاتصال، فهذه مهمة، ولكنها ليست المعضلة الأكبر، بل المعضلة هي ما غيبه مفهوم الترادف من خصوصيات الألفاظ في لغتنا، وبالتالي فقدنا الدقة العلمية التي يمكن أن نلحظها في تراثنا العظيم، وتأثرت طريقة تفكيرنا بذلك.
ثم طالبنا بضرورة أن ننصب لنا إنساناً مثالاً أعلى، نسعى نحوه في كل برامجنا، حتى لا نضل الطريق، فنظرتنا ينبغي أن تمتد للأفق البعيد، لا أن تنطلق من واقع الحال فقط، فالانطلاق من خلال نظرة (الحمار) الذي يركز ناظريه على ما بين قدميه، توجب كثرة العثرات، ولكن الانطلاق من خلال نظرة (الجمل)، الذي يرمي ببصره بعيداً، تساعد على اكتشاف معالم الطريق. ثم حاولنا أن نضع وصفاً، لهذا الإنسان المثال، من خلال فضائلنا وخصوصيتنا، فجعلناه ربانياً، خارق القدرات العقلية والنفسية والروحية، والتي نؤمن بإمكانها.
ثم طالبنا أمتنا بتطوير الأخلاق، التي جاء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لإتمامها، حين قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، مؤملين ألَّا ينظر القارئ الكريم لما قلناه، بعين قصير الهمة، فإنه حينئذٍ سيرى ما ذكرناه من الواقع المأمول خيالاً. وإننا لنهيب به، أن يسعى نحو هذا الذي يظنه خيالاً، فإنه إن لم يدركه فسيدرك بعضه، وبعضه كافٍ للتقدم بل وللتميز.
وفي هذه الجلسة الأولى كانت قد غابت عن الجلسة كل من الدكتورة رؤوفة الشرقي من اليمن، والتي كانت ستقدم ورقة عن مؤسسة تخطيط برامج التنمية الثقافية، والأستاذة مها فتيحي من السعودية، صاحبة صالون المها، والتي كانت ستسلط الضوء على تجربة صالونها الأدبي.
وفي الجلسة الثانية من اليوم الأول للملتقى، والتي كان محورها (النشر الكامل للتعليم راقي النوعية)، فقد قدم الدكتور سيف الحجري من قطر ورقة عن مؤسسة قطر للتربية والتعليم وتنمية المجتمع، وهو نائب رئيس مجلس إدارتها، أوضح فيها تفاصيل مجزية عن هذه المؤسسة الضخمة، ذات الطموح الاستراتيجي لمستقبل التعليم في دولة قطر والعالم العربي، وأكد الدكتور الحجري أن هذه المؤسسة العملاقة هي مؤسسة غير ربحية، تأسست عام 1995م بهدف تنمية الإمكانات البشرية واستثمارها، من خلال إنشاء مراكز تعليمية، ومشروع المدينة التعليمية، الذي يتضمن فروعاً لبعض أبرز الجامعات في العالم، وتعتمد رؤية المؤسسة على تطوير واستثمار الطاقات البشرية، وفلسفتها تقوم على أن الإنسان أغلى ثروات الأمة؛ ويقوم هدف هذه المؤسسة على رفع مستوى القدرات العلمية والفنية، ورسالتها في ذلك هو تطوير هذه النواة لضمان تحقيق تنمية شاملة لأجيال الحاضر والمستقبل، عبر التعاون مع الخبرات الدولية من أعلى المستويات، وتطوير المؤسسات العلمية.
أما الورقة الثانية فجاءت للدكتورة مريم لوتاه، أستاذة العلوم السياسية في جامعة الإمارات العربية المتحدة، قدمت فيها تحليلاً ضافياً حول المعوقات السياسية لمسارات التنمية الإنسانية، وأسهبت القول فيما يخص التنمية السياسية العربية، التي تكاد تكون شبه معدومة، أو سلحفاتية الخطا، فالمجتمع المدني إما أنه لا يوجد، وإما أنه معطل كلية، وكذلك هي الحريات السياسية، بالإضافة إلى بيروقراطية سياسية متعفنة، ملؤها الفساد المعطِّل لكل شيء، والتي باتت لا تفي بطبيعة الحراك السياسي الدولي القائم، والذي يقوم على تدافع وتشابك لا يهدأ حدثياً، بينما نحن ننام في العسل بأوهامنا المتخثرة، والتي تشل كل حراكنا المفترض نحو المستقبل.
تحديات الإعلام ومعوقات مجتمع المعرفة، ورقة ثالثة للأستاذة رفيعة الطالعي رئيسة تحرير مجلة المرأة ـ سلطنة عمان، وجاء فيها هذا العرض الملخص والسريع، لأهم مشكلات أو تحديات الصحافة و الإعلام، بشكل عام في الوقت الراهن كما تراها، في حقيقة الأمر كثيرة، والتي حاولت أن توجزها في النقاط التالية:
* إن أهم مشكلة تواجه الصحافة في المنطقة العربية هي مشكلة حرية الصحافة، وانتهاكات حرية الصحافة، والنقص الحاد الذي ترزح تحته معظم الصحف في المنطقة.
إن حرية الصحافة، التي تعد شكلاً من أشكال حرية التعبير، أو إحدى وسائل حرية التعبير، هي حق من حقوق الإنسان، لا يتمتع به الإنسان العربي بشكل سوي في أي دولة من دوله. وقد أثّر هذا النقص الحاد في العمل الصحفي من حيث المهنية، ومن حيث ممتهني الصحافة، يمكن القول: إن الصحافة يمكن أن تكون مهنة من لا مهنة له.
* أحد أهم المشكلات التي تواجهها الصحافة في أغلب الدول العربية، هي السيطرة الحكومية على وسائل الإعلام، والرقابة على الصحافة من قبل الحكومات، وهذا بطبيعة الحال يؤثر في حرية الصحافة من جهة، وعلى أخلاقيات المهنة من جهة أخرى.
* كذلك هناك نوع من الاحتكار لوسائل الإعلام وخاصة الصحف، من قبل رجال الأعمال والتجارة -مثل الكويت- من ذوي العلاقات بالحكومة ومَنْ لهم مصالح معها، مما يجعلهم يمنعون الصحفي من نقد الحكومة. رغم أن حرية الصحافة في الكويت في أفضل مستوياتها مقارنة بدول أخرى في المنطقة لاسيما في الخليج.
* المهنة في الصحافة تتعرض في هذه الفترة إلى انتهاكات حادة ومهينة فهناك:
- الخلط بين الرأي و التغطية الخبرية. أبسط قواعد كتابة الخبر الصحفي غير متوافرة في الصحفي أو الصحفية، وليس هنا تدريب ولا متابعة.
- صحافة التحقيقات ضعيفة، بمعنى الصحافة التي تعتمد على البحث والتنقيب، هناك الأخبار الجاهزة، والمعلومات المتوافرة عبر وكالات الأنباء وغيرها من مصادر المعلومات.
- الكُتّاب ليسوا صحافيين، في كثير من الأحيان ينتسب للصحافة من لا علاقة له بها سوى أنه يحب أن يكون صحفياً، وكثير من الصحفيين الآن دخلوا إلى الصحافة من باب الأدب، لن يكون صحفياً ناجحاً كل من يستطيع أن يكتب عموداً.
- الضعف في التكنولوجيا والتقنية: الصحافة المصرية والمغربية على سبيل المثال، تزخر بالكفاءات، ولكن نوعية التقنيات ضعيفة، الأحبار والأوراق والإمكانات، هناك مؤسسات تطورت، ولكن تبقى الأغلبية في وضع يرثى له.
* من المشكلات التي أعتقد أنها واحدة من أهم مشكلات الصحافة، هو ضعف العمل النقابي أو الجمعيات النقابية الصحفية، التي تعمل على حماية الصحفيين، وعلى المطالبة بحقوقهم، وتعمل على مراقبة انتهاكات حرية الصحافة، وعلى الحفاظ على أخلاقيات المهنة. إن النقابات المهنية مهمة للغاية، لأنها تقوم بدور كبير يساعد الناس على المطالبة بحقوقهم، ومراقبة الحكومات فيما تعد من جهة، وتعمل على تطوير العمل الصحفي من جهة أخرى.
* يمكن الإشارة هنا أيضاً إلى تحدٍّ يكثر الحديث عنه هذه الأيام، ويدور حول إذا ما كان المحرك والحافز لتطور الصحافة العربية، سواء على مستوى حرية الصحافة، أو على مستوى التقنية المهنية، هو الضغوط الداخلية لكل دولة، والتي يمثلها الناس ومطالبهم، والجمعيات والمنظمات غير الحكومية، ومؤسسات المجتمع المدني (إن وجدت)، أم أن ذلك يحدث بسبب ضغوط خارجية، يمثلها الغرب الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. هنا يمكن أن يثار جدل كبير، حول نتيجة هذه الضغوط (بغض النظر عن ماهيتها)، هل هو في صالح العمل الصحفي وحريته؟ وهل هو في صالح شعوب المنطقة المعذبة؟.
* قوانين المطبوعات والنشر في الدول العربية، تبدأ بتقديس الممنوعات، ومن ثم العقوبات.
مؤشرات متفائلة
* الإنترنت، أعتبره أهم باعث للتفاؤل، وهو أمر لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتجاهل طفرته في مجال المعلومات، وبالقدر الذي يعتقد البعض أنه قد يؤثر سلباً في الصحافة، بالقدر الذي أشعر أنه سيحرر الصحافة من قيودها التقليدية، أو أنه سيسخر منها، مما قد يستفزها نحو تطوير وتحسين نوعية العمل.
* إلغاء وزارات الإعلام كما حدث في قطر، ولكن هنا سؤال يطرح أيضاً حول المدى الذي استفادت منه الصحافة من هذه الخطوة؟ (هل العيب فينا أم في زماننا؟).
* بعض النقابات الصحفية الفاعلة مثلاً في مصر والمغرب، والمجتمع المدني ومؤسساته في دولة مثل اليمن، وتعدد الصحف بتعدد الرؤى والأحزاب.
ما الذي يمكن أن يطور من العمل الصحفي في المنطقة؟.
* تعديل قوانين المطبوعات والنشر، وإقرار حرية الصحافة كركن أساسي ومفعّل، بوصفه حقاً من حقوق الإنسان، وأي انتهاك له هو انتهاك لحق من حقوق الإنسان. ولكن ما الفائدة حيث لا قيمة للإنسان؟.
* تحرير وسائل الإعلام (الصحف) من ملكية ورقابة الحكومات. يجب استقلالها.
* حماية الصحفي، من خلال إنشاء وإقامة نقابات وجمعيات مهنية تعنى بأمره.
مجتمع المعرفة: ماذا نعني بمجتمع المعرفة؟
يعرف بعض المفكرين مجتمع المعرفة من الناحية الاجتماعية، أو بوصفه منتجاً اجتماعياً، حيث يرى د. عبد الرحمن الحبيب في إحدى مقالاته، أن الكثير من المجتمعات انتقلت من طبيعتها الصناعية، إلى ما يسمى بمجتمع ما بعد الصناعي، أو مجتمع المعلوماتية، مفرزة فكراً اجتماعياً وسسيولوجياً، معرفية جديدة تتمثل في تفجر المعلومات، مصاحَباً بوسائل وأدوات إنتاج معرفي يتصف بالتجدد والتسارع والتنوع، ويتميز بالقابلية الفسيحة للنقد والاعتراض، في هذه المجتمعات يتزايد اعتماد كثير من المنتجات والأعمال والخدمات على التقنيات الجديدة للمعرفة (المعلوماتية، والبرمجيات، والإنترنت)، لتصبح أهم الموارد الجديدة، على سبيل المثال: الأقراص وشرائح رقائق السيليكون التي تزود بها الطائرات تشكل 95% من قيمة الطائرات، رغم أنها كمنتج مادي -رقائق سيليكون- لا تساوي شيئاً، فهي منتج معرفي صرف.
وهكذا تغيرت وسائل وأدوات المعرفة، من الشكل التقليدي إلى هذا الشكل الحديث، وتغيرت أدوار وأنماط الأشكال التقليدية للمعرفة، مثل المكتبات والتعليم والإعلام والاتصال والسياحة وغيرها، وبالتالي تغيرت أدوار المجتمعات والدولة، وترسيخ أنماط العولمة.
في ظل كل تلك التغيرات، يعاني العالم العربي من التبعية والتخلف والجهل وانتشار الخرافات، وتوقف العقل عن الإبداع، كما يعاني الفكر ممثلاً في الكُتّاب من المنع، والحال نفسها مع الأدوات الجديدة مثل الإنترنت، ومن إجراءات بيروقراطية معيقة لنشرها.
كما تفتقر المؤسسات التعليمية والتربوية إلى برامج تحفز على الاطلاع والمعرفة والقراءة وإنتاج المعرفة، بالإضافة إلى ضعف الطابع الاحترافي واحترام البحث العلمي وتطبيقاته العلمية. ويتم حصر الإصلاح في العالم العربي في الجانب السياسي، أو في تطوير السلطة، ومن النادر أن تشغلنا قضايا من مثل الموارد البشرية وتطوير المجتمعات وتحسين المهارات المعرفية وطريقة استخدامها.
إن هذه الممارسات وهذا الواقع، يؤدي ولا شك إلى إعاقة التفكير الحر ووأد الإبداع، وتكبيل العقل. كما أن استقلال المعرفة وحرية الحصول على المعلومات، لابد أن يصبح حقاً من حقوق الأفراد، التي يجب أن تؤكد بقوانين وتشريعات تحترم ذلك.
معوقات إقامة مجتمع المعرفة
عند الحديث عن مجتمع المعرفة، لا يمكن أن نتجاهل مسألة التعليم، لأنه أساس المعرفة لأي مجتمع، حيث تشير بعض الإحصاءات إلى أنه في عام 1995م كان هناك أكثر من 90% من الذكور و75% من الإناث في المدارس الابتدائية، وحوالي 60% في المدارس الثانوية، وقد تفوقت البلدان العربية على جميع المناطق النامية عدا منطقة الكاريبي وأمريكا اللاتينية في التعليم العالي. وأن عدد الطلاب العرب في ذلك العام بلغ 56 مليوناً، وتشير إلى أن ما تنفقه الدول العربية من دخلها القومي أعلى مما تنفقه الدول النامية الأخرى، ورغم هذا لا يزال هناك 65 مليون أمي ثلثاهم من النساء، ونسبة الأمية في العالم العربي أعلى من دول أخرى أكثر فقراً.
وتوجد فجوة بين مخرجات النظم التعليمية واحتياجات السوق، كما أن نسبة من يستخدمون الإنترنت في العالم العربي لا يزيدون عن 0.6% من المواطنين العرب، ولا يتجاوز الاستثمار في البحث العلمي 0.5% من الدخل القومي، وهو أقل من ربع المعدل العالمي، وتبلغ نسبة البطالة 15% وهي من أعلى النسب في العالم.
ضمن المعوقات التي أشار إليها تقرير التنمية الإنسانية، والتي يمكن إيرادها في هذا السياق، التربية الخاطئة للأبناء، والركود الاقتصادي، وانخفاض الدخل الأسري والفردي، إضافة إلى قلة إنتاجية الفرد، والتراجع في تطوير المجتمع، وتعاظم دور الأجهزة الأمنية داخل المجتمعات العربية، وما ينتج عن ذلك من خمود الإبداع وزيادة القمع والخوف وضعف المواطنة.
كما يُواجَه التعليم نفسه -كما أشرت- بعدة تحديات، تتمثل في ضعف المناهج وضعف وتخلف وسائل وأدوات المعرفة، والبحث العلمي، وتخلف الإعلام ومستواه الذي يتراجع، وحريته المقيدة، الأمر الذي يمنعه من القيام بدوره، في مساعدة الرأي العام على صياغة آرائه وأفكاره وقراراته، من خلال إمداده بالمعارف والمعلومات، وعدم استطاعة الإعلام ممارسة وظيفته الأساسية، وهي مراقبة الحكومة وتنبيهها إلى أخطائها.
مقترحات لدور أكثر فاعلية
ينبه تقرير التنمية الإنسانية، إلى أن نشر المعرفة واكتسابها يتطلب تغييراً في المواقف والقيم، لضمان احترام العلم والمعرفة، والتشجيع على الإبداع والابتكار، لأن هذه العوامل من مقومات التنمية وروحها، ويذكر التقرير أن للديموقراطية دوراً في عملية التوفيق بين الثقافة التقليدية والحداثة العالمية.
وقد أوضح التقرير أنه من خلال الإطار الديموقراطي، يستطيع المواطنون تقرير التغييرات الثقافية والتأثير فيها، وهو يوصي بالاهتمام بقيم ذات تأثير في التنمية، مثل التسامح واحترام الثقافات المختلفة، ومراعاة حقوق الشباب وحقوق المرأة، وحماية البيئة ودعم الضعفاء، وعدم التسامح تجاه البطالة المفرطة، وتقدير المعرفة والعلم.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه مرة أخرى، هو: كيف يمكن للمواطنين العرب بمختلف شرائحهم وانتماءاتهم أن يشاركوا في بناء مجتمع المعرفة وهم بلا حقوق، وحرياتهم مستلبة، كيف يمكنهم أن يتحرروا من الجهل والفقر والمرض؟
لا يمكن لمجتمع المعرفة أن ينشأ ويكبر في مجتمعات شمولية كالمجتمعات العربية، مجتمعات تعمل كل أجهزتها الأمنية والعسكرية والخدمية على راحة وبقاء وتأييد أنظمة الحكم، تعمل لتضمن سلامتها، وتحافظ على ثرواتها، هذه الأجهزة تعمل على إقصاء مصالح المواطنين بمختلف فئاتهم، وتدمر أي معرفة من شأنها أن تؤثر على الحالة الراهنة.
إن الأنظمة الحاكمة تكره المعرفة، لأنها هي الوسيلة التي ستؤدي متى تحققت إلى زحزحة هذه الأنظمة والنخب الحاكمة من مواقعها، المعرفة سلاح خطير إذا ما تمكنت منه الشعوب، إن الواقع العربي لا ينبئ بكثير مثير للتفاؤل، لأنه واقع بلا معرفة، حيث لا مكان لمفاهيم مثل التعلم مدى الحياة، وحرية الإعلام وحرية التعبير، إن الحرية هي الحل على مختلف المستويات والصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وفي الورقة الأخيرة للجلسة الثانية، قدمت الدكتورة سرور قاروني من جمعية البحرين النسائية، ومديرة برنامج (كن حراً)، عرضاً لفكرة هذا البرنامج التربوي المتميز، قالت في مقدمته:
إن أهمية التنشئة لم تكن خافية في الثقافة العربية والإسلامية منذ بداياتها، وربما كانت الثقافة العربية والإسلامية هي من أكثر الثقافات تركيزاً على التنشئة والتعامل مع الطفل، وتؤكد ذلك السيرة النبوية والتراث العربي القديم. ولكن عملياً طغت بعض العادات والتقاليد التي تفرض سيطرة وهيمنة الأكبر سناً، وظل الطفل يعامل بوصفه عضواً من الدرجة الثانية في العائلة والمجتمع. والكلمة الأولى والأخيرة في كثير من الأمور ترجع للكبير، سواء كان ذلك هو أحد الوالدين، أو المعلم، أو الحاكم، أو من هو في حكم الأكبر سناً، الذي له أي نوع من السلطة على الطفل. ونسمع ذلك الكثير عندما يبدي الطفل أي اعتراض ولو كان صغيراً، فيسمع الرد الجاهز دائماً (اسمع كلام من هو أكبر منك)، وإذا ما دفعه حب الفضول الفطري لمحاولة فهم ما يدور حوله، قد يسمع كلمات أقلها ثقلاً على قلبه، (الموضوع لا يعنيك)، (اسكت)، (لا تتدخل في مواضيع الكبار)، (لا تكن فضولياً). وباسم التربية يمكن إهانة الطفل وإساءة معاملته، والاعتداء عليه جسدياً وعاطفياً، وبعد كل ذلك يحاول الأهل إقناعه أنها ممارسات نابعة من حبهم له وخوفهم عليه، وأنه إذا ما كبر سوف يفهم، واضعين الطفل في حيرة من أمره عن معنى الحب والاهتمام. ويمكن أن يعتبر الطفل من ذلك، أنه يجوز له إذا ما كبر أن يعبر عن حبه لأولاده بالعنف العاطفي أو الجسدي، أو حتى الإهمال، وأن يمارس أنواع التناقضات والإساءة والكبت والقمع، ليس فقط على أولاده، بل على نفسه وعلى المجتمع من حوله، باسم المحبة والاهتمام والإصلاح.
لقد هدف القائمون -في جمعية البحرين النسائية- على برنامج (كن حراً) إلى حماية الطفل من الاعتداء والإهمال ، من خلال مراقبة المجتمع، والدراسات والبحوث التي قاموا بها منذ سنوات طويلة قبل تدشين البرنامج، وذلك بدراسة معمقة لهذا الواقع، والكثير من هذه الممارسات التي لا تساهم في صنع أفراد مبدعين وواثقين، ولديهم من القدرة على التحليل والتفكير النقدي، ما يساعدهم في رفع المجتمع من وضعه الحالي إلى مجتمع المعرفة. وساهمت في هذه المعرفة الدراسة التي قامت بها جمعية البحرين النسائية عام 2001م، بعنوان (قسوة أم تربية، دراسة مقارنة لسوء معاملة الأطفال في الأسر البحرينية، من وجهة نظر الأطفال والأمهات). أجريت هذه الدراسة على 170 عائلة بحرينية، من مختلف المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، استنتجت هذه الدراسة بأن الهوة واسعة بين الأهل وأبنائهم. وعبّر عنها الكثير من الأبناء -على مختلف أعمارهم- بمصادرة أهلهم لحرية الرأي والتعبير لديهم، وعدم اعتبارهم أفراداً فاعلين ومؤثرين، ولا حتى مُبْدِيْن للرأي في عملية صنع القرارات، سواء كانت تلك التي تخصهم مباشرة، أو تلك التي تخص العائلة، واعتبارهم أشخاصاً منَفِّذين، متوقع منهم القبول والخضوع والطاعة دون مناقشة.
إن أساس برنامج كن حراً قائم على بناء شخصية مجتمعية قوية، قادرة على الرقي الإنساني الذاتي، ورفع المجتمع معها إلى أعلى القيم الإنسانية، وكل ذلك لا يمكن أن يكون إلا بالمعرفة.
وفي الجلسة الثالثة والأخيرة في اليوم الأول، والتي كانت تحت محور (توطين العلم وبناء قدرة ذاتية في البحث والتطوير التقاني في جميع الأنشطة المجتمعية)، قدم الدكتور جاسم بشارة مدير إدارة الثقافة العلمية، ومدير برنامج البترول والطاقة، ورقة عن دور مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، وهي كما جاء في تعريفه لها، مؤسسة غير ربحية، ذات نفع عام، تهدف إلى المعاونة في التطور العلمي والحضاري لدولة الكويت عن طريق:
1ـ دعم الأبحاث الأساسية والتطبيقية، من خلال مِنَحٍ تقدِّمُها في مجالات العلوم الطبيعية والهندسية والصحية والغذائية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.
2ـ تقديم المنح لتشجيع ودعم الأبحاث المتعلقة بالاستثمار الصناعي، وأعمال التطوير والتجارب ذات الصلة بالاقتصاد الكويتي.
3ـ تقديم المنح والجوائز والمكافآت لدعم التطوير الفكري في دولة الكويت، والأقطار العربية والإسلامية الأخرى.
4ـ إقامة الندوات والمؤتمرات العلمية وتنظيم برامج التدريب.
5ـ تشجيع ودعم وتنمية مشاريع البحوث والبرامج العلمية، المشتركة بين الهيئات العلمية الكويتية من جهة، والعربية والدولية من جهة أخرى.
وتؤدي المؤسسة رسالتها من خلال إداراتها الخمس: إدارة مشاريع البحوث - إدارة الثقافة العلمية - إدارة الهندسة - إدارة الشؤون الإدارية - إدارة الشؤون المالية ومكتب الجوائز.
الورقة الثانية في الجلسة المسائية الأخيرة للأستاذ حسن سالم، مدير الشؤون الإدارية والمالية بدار الفكر، وجاءت بعنوان الفكر العربي المعاصر: الهوية والتحديات، وجاء فيها ما يلي:
تحليل الفكر العربي المعاصر
- من حيث الجدوى: عجز نهضوي مزمن
- من حيث الهوية:
* غربة في الزمان
* الآبائية
* طول الأمد
* غربة في المكان
- من حيث الفعالية: انفصام بين النظر والعمل
- من حيث التفاعل: لا يغادر أبراج النخبة
أين الخلل؟
- السكون
- الأحادية
- احتكار الحقيقة وإلغاء الآخر
سبيل الخروج: التعدد
الفكر العربي المعاصر، الهوية والتحديات
إذا كان من المسلَّم به، أن واقع كلِّ أمة - ما تنعُم به من رقي وتحضُّر، أو ما تعانيه من انحدار وتخلف-، إنما هو نتاجٌ لفكرها الذي تحمله، وثقافتها التي تتحرك من خلالها، فإن الفكر العربي المعاصر يكون هو المسؤول عن تخلف الأمة العربية وعجزها الراهن..
* فهذا الفكر لم يستطع أن يحقق لها -من حيث الجدوى- أيَّ قدرة على النهوض من كبوتها التي طال أمدها، ولا أن يعيدها إلى مسارها الحضاري، الذي خرجت عنه منذ أمد بعيد، على الرَّغم من محاولاته المتكررة منذ أكثر من قرن ونصف. فإذا ما قارنا عجزه النهضوي الراهن، بقدرته الخارقة التي استطاع أن يبني بها للأمة العربية حضارتها الأولى، في زمن قياسي قصير، أدركنا أن هذا الفكر المعاصر لا يمت بصلة إلى ذاك الفكرِ النهضوي الأصيل.
* فإن نحن سلَّمنا بوجود فكر عربي معاصر - على الرَّغم من عجزه الواضح- ورحنا نحلل هذا الفكر من حيث الهوية، فسنجد أنه ليس بعربي ولا معاصر؛ فهو حين يريد أن يكون معاصراً فيستعير فكر الآخرين يفقد عروبته، وحين يريد أن يكون عربياً فيغرف من فكر الآباء فيفقد معاصرته، فهو بذلك يعاني من غربتين: غُربةٍ في الزمان وغربةٍ في المكان.
- فأما غربة الزمان فهي التي عبَّر عنها القرآن الكريم بمصطلحي الآبائية وطول الأمد، مؤكداً أن تجاوز فكر الآباء سنة شرعها الله لتقدم الإنسان في طريق كدحه إلى الله، فلم يقبل من الناس اعتذارهم باتباع ما وجدوا عليه آباءهم، وعدَّ ذلك قصوراً فيهم، ينتكس بالإنسانية عن طريق التقدم والارتقاء، ومن مقتضيات هذا الطريق أن تضيف الأجيال اللاحقة إلى المعرفة الإنسانية السابقة لَبِناتٍ جديدة، تعلي من بنائها، ولنصغِ معاً إلى ذلك الحوار الودود الجميل، الذي قصَّه علينا القرآن العظيم على لسان إبراهيم: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم 19/43]. وليس كالأب يفرح بتفوق ولده عليه، يعده امتداداً له واستمراراً لحياته، إلا أن يكون متعنتاً كآزرَ أبي إبراهيم.
تلك هي الآبائية المقيتة التي لا تعترف بسنة التقدم، والتي حذر الله تعالى الناس منها، مثلما حذرهم من طول الأمد، وهو الوقوف طويلاً على حالٍ واحدةٍ، وتعطيل العقل؛ هبة الله للإنسان، عن الإبداع وابتكار طرق جديدة للتغيير وتحسين الحال والتقدم نحو الأفضل: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [ الحديد 57/16].
ومن الطريف أن هذا التحذير للمؤمنين، يأتي في وقت مبكر، وهم ما يزالون حديثي عهد بالإيمان، وما يزال الوحي يتنـزل عليهم، يرشدهم ويقوِّم مسيرتهم؛ يخاف عليهم أن يقعوا فيما كانت أمم قبلهم تقع فيه من طول الأمد الذي يورث قسوة القلوب وتصلب الشرايين وتحجر العقول.
- وأما غربة المكان، فهي نقل التجارب والأفكار مجتثة من تربتها التي اغتذت منها، وبيئتها التي ترعرعت فيها، ومناخها الذي ألفته، إلى بيئة جديدة مغايرة، ما تلبث أن تذوي فيها، لافتقارها إلى الجذور والقدرة على التكيف.
* فلننظر الآن إلى الفكر العربي المعاصر، من ناحية فعاليته، فلن نجد له أثراً يذكر:
مئات الندوات والمؤتمرات تخصص لها الميزانيات الضخمة لتنعقد، ثم تنفصل عن بيان ختامي وتوصيات، تأخذ طريقها إلى الأدراج والرفوف، لا يذهب منها شيء إلى حيز التطبيق. تنتهي المؤتمرات عندنا بإصدار البيان الختامي والتوصيات، بينما تبدأ به لدى الأمم الناهضة، فتشمر لجان المتابعة لديها لتنفيذها وقطف ثمراتها.
كأننا ظاهرة صوتية، ننفس عن آلامنا بالكلمات لتتبخر في الهواء، وتبقى الآلام تنخر في عظامنا.
وقد نعمد للكتابة أحياناً، نودع أفكارنا في صفحات لا تُقرأ، فضلاً عن أن يُعمل بها. بل إننا نقرأ قول الله تعالى لنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [ الصف61/2-3].
نجوِّد قراءتنا للآية ونغفل عن مضمونها، كأن خطابها لا يعنينا..
هكذا الأزمات عندنا تأتي وتذهب من دون فعل اجتماعي يذكر، وهكذا نحن نعاني من حالة انفصام بين النظر والعمل، تجعل جهودنا الفكرية تذهب هباءً، لافتقارنا إلى المنطق العملي، كما يقول مالك بن نبي المفكر الجزائري الكبير.
- ثم لننظر إلى الفكر العربي المعاصر من حيث التفاعل. ونعني بالتفاعل ما يصل من هذا الفكر، مما تعززه النخب في مجالسها ومنتدياتها إلى المجتمع، فيتفاعل معه، وينفذ إلى ضميره، ويستقر فيه ليتحول إلى عادات وتقاليد وقيم، تحدد سلوكه وردود أفعاله، وهو ما نطلق عليه اسم الثقافة.
- لسوف نرى أن أفكار النخبة لا تغادر أبراجها العاجية، تبقى محصورة بين أفرادها، لا تُطرح في المجتمع للتداول؛ لغتها تستعصي على أفهام البسطاء من الناس، وموضوعاتها تستعلي عن همومهم.
لا يترك الفكر أثراً في المجتمع، ما لم يخترقْ جدران الصالات وقاعات المحاضرات، ويتجاوز الحدود والقيود، ويمشي في الشوارع، ويطرقْ أبواب البيوت والمكاتب، وتتناولْه الألسن بالنقد والتحليل والرفض والقبول، فيدخلْ إلى وعي الناس، ويتحولْ إلى ثقافة تحرك وجدان المجتمع وتحكم تصرفاته.
* فأين الخلل؟
من المؤكد:
- أن الصراع بين الأمم في عصر المعلومات سيكون صراع أفكار.
- وأن عالم الأفكار هو ذروة العوالم التي ينوس بينها الإنسان بعد عالمي الأشياء والأشخاص.
- وأن العالم ينعطف بسرعة فائقة من عصر اقتصاد الصناعة إلى عصر اقتصاد المعرفة.
- وأن تقدم الأمم في هذا العصر سوف يقاس بما تملكه من ثروة المعلومات، لا بما تختزنه من ثروة المال والمداخن الشاهقة وقوة السلاح.
- وأن مخزوننا الفكري لا يقل عن مخزوننا النفطي، بل هو أعظم وأبقى.
- وأن لدينا مفكرين أفذاذاً لم نوظف أفكارهم ولم نتداولها.
- وأن لدينا خارطةً لطريق التقدم الإنساني.. عالم اليوم أحوج ما يكون إليها، لملء فراغه السياسي والإيديولوجي والأخلاقي والروحي، الذي لم تستطع حداثته أن تملأها.
لكنّ خطابنا الفكري الراهن غير مؤهَّل لتغييرنا من الداخل، فضلاً عن توجيه رسالة إلى الخارج تحجز لنا مكاناً لائقاً في المجتمع الدولي.
إنه يعاني من:
- سكونٍ مطبق أوقف حركة الزمن لديه، وعزله عن ركب التقدم، ليصبح محنَّطاً مثل أصحاب الكهف والرقيم، يعرض في متاحف التاريخ، ولا تصلح عملته للتداول في المنتدى العالمي.
- عوزِ الإبداع، انكفأ بسببه للاجترار والتكرار، أو التقليد والقرصنة والمحاكاة.
- أحاديةٍ؛ تحتكر الحقيقة والمعرفة والرأي على طريقة فرعون {مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى} [ غافر 40/29]. و {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص 28/38 ]، وتختزل تعليم الطالب بالمقررات لا يريمها، ثم تفرض وصايتها على القارئ - إن تعلَّم- فتحدد ما تريد له أن يقرأه، وتحجب عنه ما لا يروق لها أن يقرأ؛ تفترض فيه القصور، وتفتح له أبواب مراكز الإعاقة الفكرية، لتريحه من عناء التفكير، فتفكر نيابة عنه، وتقول له في لهجة مشفقة حانية: اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي، بلا هدف ولا أمل..
* وهل إلى خروج من سبيل؟
السبيل هو الخروج من ضيق الأحادية والتوحد، إلى سعة التنوع والتعدد.
إن حياة الإنسان فكر، والفكر إبداع، والإبداع تجديد، والتجديد تجاوز للمألوف، وتجاوز المألوف مخالفة، والمخالفة تحدٍّ، والتحدي يخلق الآخر، والآخر تنوع، والتنوع تعدد، والتعدد يثير الاحتكاك والتصادم، ومن الاحتكاك والتصادم ينبعث البرق نوراً يضيء ظلام الطريق، يتبعه الرعد قعقعةً تخرق الصمت، وعلى نور البرق وطبول الرعد يتحرك الإنسان باحثاً عن الحقيقة، والبحث عن الحقيقة حوار، والحوار برهان، {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [ الرعد 13/17].
أما الورقة الأخيرة للجلسة الثالثة، فجاءت للأستاذ عمر الطرابلسي من مركز الأبحاث والتدريب، حول قضايا التنمية، فصل فيها طبيعة عمل المركز الذي يقوم هو برئاسته، على أنه منظمة تنفيذية واستشارية غير حكومية، مقرها بيروت، تسعى للعمل التنموي من خلال عملها في لبنان والعالم العربي على حد سواء، وذلك للمساهمة في التنمية الاجتماعية للمجتمعات والمنظمات المحلية، من خلال صقل قدراتها وتناول حاجات أعضائها ومكوناتها. كما تعمل على نشر الوعي حول قضايا النوع الاجتماعي (الجندر) والتنمية والفقر والإقصاء، وذلك بهدف خلق بيئة أكثر إنصافاً.
كما أكد الأستاذ الطرابلسي على أن رؤية المركز تقوم على أنه جزء من مجتمع أهلي ناشط ومجتمع مزدهر، ملتزم بقيم المساواة بين الجنسين والتسامح والعدالة، وقادر على القيام بأفعال تتمتع بمعايير دولية عادلة والتأقلم، بالإضافة إلى قطفه ثمار بيئة عالمية متغيرة وتدعو للتحدي.
* اليوم الثاني
وفي اليوم الثاني للمؤتمر الذي كان مكرساً للورش التي تدوالت محاور خمسة، جاءت كتوصيات تبناها الملتقى وسنوردها كاملة لأهميتها:
ورشة (النشر الكامل للتعليم راقي النوعية)
ما هو التعليم راقي النوعية؟
هو التعليم الذي يتيح تدريب العقل النقدي والتحليلي والتركيبي القائم على أساس علمي للتفكير، ويحفز من مهارات المتعلم لتحويل العلم إلى معرفة قابلةٍ للتطبيق والإنتاج لعمليات التطوير والتطبيق في المجتمع. وأن يكون ذلك في إطار قيم إنسانية نبيلة.
الإشكالية الرئيسية
* تدني مستوى التعليم.
* الفجوة بين التعليم والمعرفة (مخرجات التعليم).
* ضعف مشاركة الأطراف خارج المؤسسة التعليمية في إثراء العملية التعليمية وتطويرها.
* حالة من النمطية تضعف الجانب الإنساني للطالب.
العوامل المسببة للمشكلة
* ضعف الإدارة المؤسسية وإدارة العملية التعليمية
* ضعف المناهج
* ضعف إعداد المعلم
* الخلل في مفاهيم ومعايير التقويم
* غياب الربط بين نوعية التعليم واقتصادياته
* غياب الوعي بالمفهوم التعليمي راقي النوعية بين المصادر والجهات الرسمية وغير الرسمية
* ضعف التخطيط المسبق لعمليات التطوير التربوي والتعليمي
التدخلات الممكنة:
* تفعيل دور المركز العربي لدول الخليج العربية وأية مراكز عربية مشابهة
* تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني
* إنشاء موقع إلكتروني للتعريف بمركز التطوير التربوي في الأقطار العربية
* تصحيح مسار التقويم في مراحله المختلفة
* دعم إنشاء هيئة عربية لتقويم جودة التعليم الجامعي
* إعادة النظر في اقتصاديات التعليم في مراحله المختلفة
اقتراحات لبرامج عملية
* تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني والأهلي في المشاركة في تطوير التعليم
* إنشاء هيئة عربية لتقويم جودة التعليم العام
* التوسع في برامج التعليم والتعليم المستمر المتعدد المراحل
* تشكيل فرق عمل لتقويم الواقع التعليمي، وبحث الإشكاليات الخاصة فيه، لوضع مقترحات عملية تشارك فيه مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص
* إنشاء مراكز أبحاث في الأقطار العربية للعملية التعليمية ومخرجاتها وعلاقاتها في السوق
* جعل مهارات الحياة الأساسية جزءاً لا يتجزأ من العملية التعليمية ومن تدريب المعلم والطالب على حد سواء
* إنشاء هيئة تقويم لنوعية التعليم العالي، كهيئة مستقلة عربية غير حكومية، تضع معايير التعليم العالي الراقي النوعية، وتدخل الجامعات الرسمية والأهلية في عمليات التقويم اختيارياً، على أن يتم نشر نتائج التقويم سنوياً ضمن وسائط الإعلام الأكاديمي المختلفة، والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال
ورشة (التراث الفكري و الديني)
الإشكالية الرئيسية
التناقض بين الثابت والمتغير، الثابت هو الدين والمتغير هو الحياة. أي أن الدين ثابت، ويجب صوغ كل مفاهيم الحياة نسبة إليه، مما ينفي حرية التفكير.
العوامل المسببة للمشكلة
* توسيع دائرة المقدس غير القرآن
* تسييس التراث الإسلامي
* المدسوس من الإسرائيليات على التراث
* تحميل الإسلام ما ليس منه من مشاكل التخلف وما شابه
* الحجر على التفكير الحر في التراث الإسلامي
* الصراع المذهبي وانعكاسه سلباً على التراث
* تقديس طرق التفكير الديني
* تأكيد فطرية الإيمان أي عدم ضرورة وجود وسائط في علاقة الإنسان بخالقه
* تحويل مضمون الدين إلى شرعية الحكم
* تغييب فلسفة نزول الدين
استعراض التدخلات الممكنه وتقديم اقتراحات لبرامج عملية
* لا يمكن أن يكون هناك تناقض بين ثابت العلوم والبرهان مع النص الديني الصحيح. وإن ظهر بينهما ما يبدو أنه تناقض، فلابد أن يكون هناك خلل في أحدهما، إما فهمًا بالنسبة للنص الديني القرآني، وإما فهمًا أو نسبةً بالنسبة لنصوص السنة.
الحــل
* إطلاق حرية التفكير والبحث العلمي، وتطبيق قاعدة (المجتهد المخطئ له أجر والمجتهد المصيب له أجران) على كل أصناف أهل الفكر والعلوم أصابوا أم أخطؤوا. ما دام تفكيرهم علميًا منهجيًا.
* رفع طلب إلى بعض الأمراء أو الممولين العرب، بإنشاء مؤسسة علمية لدعم الفكر الإسلامي الحر، البعيد عن الأطر المذهبية الضيقة.
* التواصل الثقافي والعلمي مع الفقيه، ليكون هذا الهم ضاغطاً وحاضراً عنده، كما هو ضغط الناس في مسائلهم الفقهية اليومية.
* محاولة الوصول إلى الجامعات الإسلامية والحوزات العلمية، وتزويدها بكم هائل من الإصدارات والندوات والبرامج الثقافية والعلمية، لإنهاء القطيعة بين الفقيه والمثقف.
* حصر الحقائق العلمية التي يبدو منها التصادم مع الدين، لاستثارة همم الفقهاء والعلماء لمعالجتها.
ورشة (توطين العلم وبناء قدرة ذاتية للبحث والتطوير الثقافي)
تعريف مصطلح توطين المعرفة
* بناء القدرات الذاتية في كل الاتجاهات، لاستيعاب مخرجات العلم والتكنولوجيا والاستفادة منها وتطويعها، والسيطرة على خفاياها الفنية التي تمكن من تحديد جوانب القوة والقصور فيها، ثم تطويرها لمقابلة متطلبات التنمية الوطنية المستدامة.
الإشكالية الرئيسية
* عدم وجود بيئة مساعدة لتوطين المعرفة
العوامل المسببة للإشكالية
1- عدم وضوح وكفاية الرؤى الوطنية والسياسية المتعلقة بقضايا العلوم والتكنولوجيا.
2- ضعف الهياكل المؤسسية الوطنية أو الإقليمية المعنية بتوظيف المعرفة.
3- هجرة العقول العربية وضعف الاستفادة من الموارد البشرية
4- قيود النظام التعليمي التي تحد من الإبداع والشعور بأهميته.
5- عدم وجود البنية التحتية لتوطين المعرفة.
6- نقص التشريعات المعنية بتوطين العلوم والتكنولوجيا وحماية الملكية الفكرية.
7- ضعف التعاون بين الدول العربية وعدم استفادتها من تجارب الدول الأخرى.
8– ضعف وعدم ملاءمة المرافق العلمية والبحثية.
9- قلة الموارد المالية وسوء استخدامها لتمويل أنشطة العلوم والتكنولوجيا.
تقديم اقتراحات لبرامج عملية
1- بناء قاعدة للمعرفة ببرامج نوعية في التعليم العام
2- إنشاء المراكز العلمية والأبحاث وتفعيلها
3- وضع آلية لنقل التكنولوجيا بقصد تطويرها وتوطينها وإنتاجها
4- وضع برامج التكامل بين الدول العربية في توطين المعرفة
5- إنشاء واحات العلوم والتكنولوجيا لاحتضان المبدعين والمخترعين
6- إيجاد نظم حوافز مناسبة للمبدعين.
7- تعزيز دور الدين واللغة العربية في نشر ثقافة العلوم والتكنولوجيا.
8- ضعف الحوافز والجوائز التقديرية المشجعة على المستوى العربي والإقليمي.
9- الحكم الصالح (كفالة حرية التعبير والنشر)
10- عدم وجود قاعدة معلومات عن المؤسسات العلمية الموجودة في الوطن العربي.
استعراض التدخلات الممكنة
وضع رؤى واستراتيجية لمعالجة المسببات والإشكاليات لتوطين المعرفة ويرافقها قرار سياسي بالتمويل المادي.
الإشكالية الرئيسية
* كيف يمكن للإعلام أن يجعل من المعرفة مجتمعية وليست خاصة بالنخب؟
* الإعلام لا يساهم في جعل المعرفة مجتمعية. المعرفة في مجتمعاتنا خاصة بالنخبة.
العوامل المسببة للمشكلة
* عدم استقلالية وسائل الإعلام
* النقص في حرية الصحافة والإعلام
* عدم شفافية وسائل الإعلام
* عدم وجود قرار سياسي
* ضغط المثقف العربي على صانع القرار ضعيف
* غياب حقوق الملكية الفكرية
* العزوف القرائي (والأمية)
* غياب الإعلام المتخصص (الصحافة المتخصصة)
* ضعف العلاقة بين مراكز البحوث والجامعات وسائل الإعلام (التسويق والإعلان)
* غياب المجتمع المدني عن اجتماعات وزراء الإعلام العرب.
إبراز مبادرات النجاح مثل
* إصدار صحف جديدة (في البحرين مثلاً) أدى إلى التنوع والتعدد.
* منتدى الإعلام والتنمية والبيئة (في مصر) يعمل على التدريب
* مركز الإعلام والتوثيق للمرأة ومركز كوثر (تونس)
* مواقع على الإنترنت غير مقيمة ولا يعرف عنها أحد، تقدم معلومات قيمة.
* مركز تدريب الإعلاميين (السعودية)
* تجربة نضال الأشقر في مسرح المدينة
* مشروع مركز رعاية الموهوبين (مشروع رسمي من وزارة التربية والتعليم (البحرين) بالتعاون مع بيت التمويل الخليجي بدولة الكويت.
* مشروع مدارس المستقبل (مبادرة جلالة الملك) ومسؤولية وزارة التربية والتعليم (البحرين)
* جمعية الموهبة والإبداع - جمعية أهلية بحرينية.
* المجلس العربي لرعاية الموهوبين والمتفوقين - مؤسسة عربية مقرها المؤقت (الأردن)
* برامج في قنوات فضائية عربية تدار بالكامل من قبل شباب
اقتراحات لبرامج عملية
* الدعوة إلى مائدة مستديرة، يتم فيها تمثيل الجهات ذات العلاقة بالإعلام والمعرفة والعلوم والتكنولوجيا، لتدارس التوصيات المقترحة والاتفاق على خطة عمل ممكنة لتنفيذها
* تشكيل لجنة متابعة تضم في عضويتها عدداً من الجمعيات النسائية في البحرين، من ممثلي الإعلام الرسمي والخاص والمراكز البحثية، بهدف إعداد خطة إعلامية مشتركة يتم تنفيذها من قبل هذه الجهات.
* إعداد ببليوغرافيا للجمعيات واللجان والمراكز والمبادرات العربية الناجحة، سواء كانت من مؤسسات حكومية أم مجتمع مدني أو قطاع خاص، للتعريف بالمبادرات الإعلامية الرائدة في مجالات الإعلام والمعرفة.
* اقتراح بمواصلة جمعية البحرين النسائية على المستوى المحلي طرح موضوع الملتقى، وتفعيل تقرير التنمية الإنسانية بالتنسيق مع الجمعيات الأهلية الأخرى.
ورشة)النهوض باللغة العربية و التفاعل الثقافي(
الإشكالية الرئيسية
* ما آلت اليه العربية اليوم من عدم مواكبة العلوم التطبيقية.
* تهميش اللغة العربية كلغة علم، والنظرة الدونية لها من قبل العاملين بالعلم، سواء في الغرب أو في عالمنا العربي.
* تهميش اللغة العربية كلغة للتداول في سوق العمل.
* التراجع النسبي لاستخدام اللغة العربية في العمل الحكومي.
* التراجع النسبي لاستخدام اللغة على مستوى التعامل العام، وطغيان اللهجات المحلية أو العربية المكسرة، نتيجة طغيان العمالة غير العربية في مجتمعنا.
* لكن القضية الأم هو سياسات التعليم في البلدان العربية التي همشت تدريس اللغة العربية في كل التخصصات بما فيها العلوم الإنسانية.
الجدلية القائمة بين اللغة الفصحى واللهجة
* نحن منذ زمن بعيد اعتبرنا اللهجات عدواً شرساً ضد اللغة العربية الفصحى.
فلماذا لا نتعامل مع اللهجة بما فيها من مخزون كبير، على أنها صديقة ورافدة للغة العربية الفصحى، بحيث تدرس مخزون اللهجات دراسة معمقة، لاستنزاف مخزونها لرفد اللغة العربية الفصحى، بغض النظر عما يقال عنها (الدعوة للعامية) البغيضة، لأن الانطلاق أمام كائن قوي ومتمكن حتى في المثقفين فضلاً عن العامة.
التدخلات الممكنة
* تشجيع حركة الترجمة من وإلى اللغة العربية، مع الحرص على انتقاء الأعمال العلمية والفكرية لتحظى بالترجمة.
* تكوين لجان مجتمعية عربية لحماية اللغة العربية وتمكينها من استعادة مكانتها كلغة علم.
* فتح حوار مستنير مع وزراء التعليم والإعلام والمسؤولين للنهوض باللغة العربية.
* الاهتمام بالإنتاج العلمي العربي وتبني المبدعين في العالم العربي وترجمة أعمالهم إلى اللغات الأخرى.
* تمكين اللغة العربية لتكون لغة العلوم الحديثة، ولتتداول في المدارس والجامعات والحياة العلمية.
* تمتين الصلات بين المؤسسات الرسمية والأهلية العاملة في مجالات اللغة العربية في شتى علومها داخل وخارج الوطن العربي.
اقتراحات لبرامج عملية:
* إيجاد لجنة قومية أكثر كفاءة لتعريب المصطلحات والمفاهيم الهامة للحياة، والرجوع لما عُرِّب لتلافي النقص الموجود في التعريب، ومثالاً على ذلك فإن computer لا تغني عنها لفظة الحاسوب.
* العامية والعربية، لماذا لا تتحول العامية من عنصر تحدٍّ إلى عنصر رافد؟.