العقوبة في ضوء القانون الوضعي والشريعة الإسلامية
- دراسة مقارنة -
- العـقــوبة فـي ضــوء القـانـون الوضعي والشريعة الإسلامية
- رسالة ماجستير
- إعداد الباحث: محمد تهامي دكير
- إشراف: أ.د. القاضي فوزي أدهم
- السنة الجامعية: 2004 - 2005م
- كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية - بيروت - لبنان
لقد تطور مفهوم العقاب وأساسه وأهدافه في الأنظمة الجزائية الحديثة، فلم تعد العقوبة لدى المدارس العقابية الحديثة وسيلة انتقام أو تكفير، بل أصبحت أداة اجتماعية، لتحقيق أمن المجتمع واستقراره والمحافظة على نظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ودفاعاً عن قيمه المعنوية. بالإضافة إلى تحقيق الردع بنوعيه الخاص والعام، وإصلاح وتأهيل الجاني أو المنحرف عن النظم القانونية والاجتماعية لإعادته إلى المجتمع فرداً صالحاً ومنسجماً مع متطلبات المواطنة كما يحددها القانون.
كما تنوعت صور الجزاء الجنائي، فلم تعد تقتصر على العقوبة بمفهومها التقليدي أي: الإيلام المقصود الذي ينزله القانون على المجرم، بل ظهر إلى جانبها ما يسمى بالتدابير الاحترازية، وهي مجموعة من الإجراءات العلاجية والتأديبية والتهذيبية، ليس من أهدافها الأساسية الردع العام أو تحقيق العدالة، وإنما الردع الخاص عن طريق تأهيل أو علاج المجرم بتخليصه من الخطورة الإجرامية الكامنة في شخصه.
ومع هذا المفهوم الجديد للعقوبة، لم يعد الاهتمام ينصب فقط على الجريمة أو الفعل الجرمي، بل تجاوزه إلى الاهتمام بالمجرم والظروف والأسباب الذاتية التي تدفعه نحو الإجرام، وبالتالي فإن تطور مفهوم العقاب اتجه نحو أنسنة التشريعات الجزائية، أي جعلها في خدمة حقوق الإنسان. فالعقاب الجنائي أصبح يشكل ضمانة أساسية لحقوق الإنسان، وقد تحولت مبادئ حقوق الإنسان إلى قواعد للعدالة الجنائية، ومن ثم اعتبرت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان أيَّ عمل من أعمال التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة انتهاكاً "للكرامة الإنسانية". وبذلك أصبحت العقوبات البدنية أو الجسدية مثل: الضرب، الإعدام، بتر الأعضاء وغيرها، عقوبات قاسية ولا إنسانية، وقد نص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3452 د - 30 المؤرخ في 9 كانون الأول (ديسمبر) 1975م في المادة 7 على أن: "العقوبة القاسية جريمة" وهذا ما جعل هذه العقوبات تتحول من جزاءات إلى جرائم حسب هذه المفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان، مما دفع بالكثير من المنظمات الحقوقية الدولية والإقليمية والمحلية إلى المطالبة بإلغاء هذه التشريعات الجزائية من قوانين العقوبات.
كما ارتفعت الأصوات في العالمين العربي والإسلامي مطالبة بإلغاء بعض العقوبات الشرعية المعمول بها في بعض الدول العربية والإسلامية (مثل القصاص والجلد وقطع يد السارق..). وقد وُجِّهت للشريعة الإسلامية -بل للإسلام ككل- بسبب هذه التشريعات العقابية التي تنص على العقوبات البدنية والنفسية، انتقادات كثيرة وعنيفة، حيث اتهم البعض -ممن تأثر بالمفاهيم الحقوقية الغربية المعاصرة، ونصوص إعلاناتها- العقوبات الإسلامية بالقسوة والوحشية، واعتبرها انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان وكرامته. وذهب البعض الآخر إلى أن العقوبات الإسلامية قد شُرعت لأزمنة غابرة ولم تعد تصلح للمجتمعات المعاصرة لأنها لا تنسجم مع المفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان التي كشف عنها التطور الإنساني.
وقد تصدى عدد من الكتاب والمفكرين الإسلاميين للدفاع عن العقوبات الشرعية والرد على خصومها والداعين إلى إلغائها، والكشف عن حكمتها وتبرير تشريعها، وقد تميزت بعض هذه الردود -باستثناء عدد من الدراسات الأكاديمية- بالضعف والإغراق في العموميات لأن أصحابها انطلقوا من موقع التبرير والدفاع، ولم يجعلوا المقياس الذي تقاس به هذه التشريعات الحقيقية والوحي، وإنما القيم والمبادئ التي تنادي بها المدارس العقابية والحقوقية الغربية، لذلك نجد البعض منهم يتشبث بالرأي الشاذ، ويترك ما أجمع عليه الفقهاء وعلماء الشريعة، فقط لأن هذا الرأي ينسجم مع الرأي العام العالمي الذي ينظر إلى عقوبة مُعيَّنة (الرجم)، على أنها عقوبة قاسية ووحشية، أو يدعو إلى تعطيل الحدود وعدم تنفيذها، بحجة أن العقوبات المنصوص عليها "ليست مقصودة بأعيانها حرفياً، بل بغاياتها -كما ذهب إلى ذلك الشيخ عبد الله العلايلي في لبنان- الذي يرى أن عقوبة قطع يد السارق مثلاً غايتها الردع الحاسم، فكل ما أدى مؤداها يكون بمثابتها، وتظل هي -أي عقوبة القطع- الحد الأقصى والأقسى، بعد ألَّا تفي الروادع الأخرى، وتُستنفذ، ومثلها الجلد في موجبه"(1).
وهذا الفهم أو التأويل لم يقل به أحد من قبل، وفيه تعطيل صريح للحدود وللعقوبات الشرعية، كما رفض الشيخ العلايلي عقوبة الرجم ودعا إلى إلغائها، وحاول آخرون الالتفاف على بعض العقوبات الأخرى بتخريج وتفسير فيه الكثير من التكلف والبُعد عن مبادئ وأسس الاجتهاد الإسلامي الصحيح.
وكان أولى بالشيخ العلايلي وبغيره أن يتحدثوا مثلاً عن شروط تطبيق العقوبات الشرعية، وأن يشيروا إلى كون النظام الجزائي الإسلامي جزء من نظام متكامل، له رؤيته للكون وللإنسان وله تشريعاته المنظمة لجميع مناحي الفعل الإنساني، وأن هذا الجزء لا يمكن أن تُفهم حكمة تشريعاته وأهدافها أو تظهر إيجابيات تطبيقه، إلا في إطار التطبيق الشامل للنظم الإسلامية في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. إلخ، أو الإشارة إلى الشروط الدقيقة والتفصيلية التي ذكرها الفقهاء في كتبهم لتنفيذ أي حد من الحدود، مثل: الرجم أو قطع يد السارق.. إلخ، وكذلك كثرة الشبهات التي تحاصر عملية تنفيذ هذه الحدود أو العقوبات، مما يجعل تنفيذها نادراً ومحصوراً في حالات محددة، فعقوبة الرجم لم تنفذ في عهد الرسول K وخلفائه، إلا بناء على اعتراف صريح وإصرار من الجاني على تطهيره بإقامة الحد عليه.
وعليه، فأهمية العقوبات الشرعية تكمن في صداها المعنوي الذي يُحقق الردع العام ويؤكد أهمية الحق المعتدى عليه، وجسامة الفعل الجرمي.
إن الخلاف في نظرنا -وهو ما حاولت هذه الرسالة التركيز عليه في عرضها ودفاعها عن العقوبات الشرعية- لا يكمن في تشريع العقوبات البدنية مثل: الرجم أو الجلد أو القصاص، والتي يُنظر إليها باعتبارها قاسية ومنتهكة لحقوق الإنسان، وإنما الخلاف في الرؤية الفلسفية والعقائدية والحقوقية التي تقوم عليها مجموعة المبادئ والقيم والمفاهيم التشريعية والحقوقية. فهذه الرؤية الفلسفية أو العقائدية هي التي تُجرِّم أي فعل من الأفعال وتعاقب عليه، كما تحدد طبيعة الحق الإنساني ومصاديقه، وما هي الأفعال التي تعتبر انتهاكاً لهذا الحق، وطبيعة المصلحة أو المنفعة الحقيقية التي هي أساس العقاب، كما توضح وتكشف أهداف السياسة العقابية وغاياتها، لأن العقوبة في أي نظام جزائي مرتبطة بشكل وثيق بالأهداف التي يبتغي المشرع تحقيقها عن طريق تشريعها.
إن جرائم الحدود والقصاص، جرائم خطيرة وجسيمة في عُرف الشريعة الإسلامية التي عبَّرت عنها ووصفتها بالكبائر، لأنها اعتداء على ما يراه الإسلام ضرورات أو أساسات يقوم عليها بنيان المجتمع الإسلامي وهي: الدين، النفس، النسل، العرض، المال. فأي مساس بهذه الضرورات يعتبر فساداً في الأرض ومخالفة لمقاصد الشريعة وأهدافها في الخلق والاستخلاف الإلهي للإنسان في الأرض.
لذلك فالعقاب الذي شُرِّع لحماية هذه الضرورات، يستند إلى جسامة هذه الجرائم، فلا يُنظر إلى شدة العقوبة أو قسوتها، وإنما يُنظر إلى أهمية الحق المعتدى عليه والحد المتجاوز، فبقدر الاحترام الذي يوليه الإسلام وشريعته للحق المعتدى عليه، سواء أكان حقاً لله (أي لمصلحة المجتمع) أو حقاً للفرد، تتحدد درجة العقاب في الشدة أو التخفيف، بالإضافة إلى قدرة هذا العقاب على تحقيق أهداف السياسة العقابية الشرعية وغاياتها، لأنه لا فائدة من تشريع عقاب غير مُجدٍ ولا يحقق الهدف والغاية منه، سواء تعلق الأمر بالردع بنوعيه الخاص والعام، أو إصلاح الجناة وتأهيلهم، أو تحقيق العدالة والدفاع الاجتماعي ضد الجريمة، بالإضافة إلى كون العقاب في الشريعة ليس سوى جزء من برنامج وخطة متكاملة لإصلاح الفرد والمجتمع وهدايتهما إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
وبذلك تمكنت الشريعة من تحقيق الانسجام والتناسب الكامل والتام بين التجريم والعقاب وتحقيق أهداف السياسة العقابية الشرعية، التي تخدم المقاصد الكلية للشريعة وأهدافها.
أما في القوانين الوضعية فإنها ترتكز على منظومة فكرية وقيمية متطورة وغير ثابتة، فالفعل الذي يُجرمه القانون اليوم قد يصبح مباحاً غداً، أو حقاً من حقوق الإنسان بسبب تطور المفاهيم الحقوقية داخل المجتمعات الغربية، مثل تطور النظر إلى جرائم الزنا والشذوذ الجنسي وتعاطي المخدرات والبغاء، فالمُشرِّع الوضعي الغربي يتجه نحو النَّص على إباحة هذه الأفعال إباحة مطلقة، وعدم اعتبارها جرائم معاقباً عليها لأنها تدخل في خانة الحق الإنساني، فللفرد الحق في التصرف في جسده بالممارسة الجنسية الشاذة وغير الشرعية أو تعاطي المخدرات، بل له الحق في الانتحار وقتل نفسه، هذا في الوقت الذي يتأكد فيه يوماً بعد يوم فشل السياسات العقابية الغربية بسبب عدم تجريم هذه الأفعال والمعاقبة عليها. فمعدلات الجريمة في ارتفاع مستمر وقد تحولت السجون من مراكز إصلاح وتأهيل إلى مراكز ومؤسسات تخريج مجرمين محترفين أشد خطورة وإجراماً، وهذا ما جعل أصوات بعض السياسيين وعلماء الإجرام والعقاب في الغرب تطالب بالعودة إلى السياسات العقابية التقليدية وتشديد العقاب. كما تطالب بتجريم الكثير من الأفعال التي لا تُجرِّمها القوانين الوضعية المعاصرة.
وهذا الفشل في السياسات العقابية الوضعية يكشف -في نظرنا- عن أزمة عميقة في الرؤية الفلسفية والعقائدية التي ترتكز عليها التشريعات العقابية والحقوقية، وهذا ما حاولت التأكيد عليه في طول هذه الرسالة وعرضها من خلال التركيز على بيان الحكمة التشريعية من تجريم الأفعال التي جرّمتها الشريعة وعاقبت عليها، والكشف عن الآثار السلبية المدمرة للاجتماع الإنساني، التي تنشأ عن إباحتها وعدم تشريع عقاب مناسب ورادع لها.
وعليه، فالسؤالان المهمان اللذان تحاول هذه الرسالة الإجابة عنهما هما:
أولاً: هل العقوبات الشرعية قاسية ومهينة ومخالفة لحقوق الإنسان (المجرم أو الجاني) المسلم، ومنتهكة لكرامته؟ أم أنها منسجمة تماماً مع المفاهيم والمبادئ العامة لحقوق الإنسان في الإسلام، وتحقق أهداف وغايات السياسة العقابية الشرعية؟
ثانياً: هل استطاعت السياسات العقابية الوضعية أن تحقق أهدافها في تحقيق الردع بنوعيه الخاص والعام، وتأهيل المجرمين وإصلاحهم، والدفاع الاجتماعي ضد الجريمة؟ أم فشلت في ذلك؟ وما سبب فشلها؟
وقد جاء الجواب مفصلاً من خلال دراسة تحليلية مقارنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية في قسميها العام والخاص، في القسم العام تتبعت تطور مفهوم العقوبة وأساسها وأهدافها وخصائصها في القوانين الوضعية، والمفاهيم والمبادئ والنظريات التي كشفت عنها المدارس العقابية الحديثة والمعاصرة، والسياسات العقابية التي استقرت عليها التشريعات الجزائية الحديثة المتأثرة بهذه المدارس العقابية.
كما سلكتُ المنهج نفسه بالنسبة للعقوبة في الشريعة الإسلامية، فكشفت عن مفهومها وأساسها وخصائصها وأهدافها من خلال نصوص القرآن والسنة وكلمات الفقهاء وآرائهم. وقد تمكنت من خلال العرض التحليلي المقارن من الكشف عن أهم نقاط الالتقاء والاختلاف، وكذلك نقاط القوة والضعف لدى كُلٍّ من الشريعة والقوانين الوضعية بخصوص مفهوم العقوبة وأساسها وأهدافها وخصائصها.
أما القسم الخاص فقد تناولت فيه كذلك بالدراسة التحليلية المقارنة جرائم الحدود والقصاص والتعازير في الشريعة والقوانين الوضعية، حيث خصصت لكل جريمة مبحثاً خاصاً، مع التركيز على العقوبة في النظامين الجزائيين للكشف عن نقاط الالتقاء والاختلاف كذلك، وبيان حقيقة العقوبات الشرعية ومدى انسجامها مع مفاهيم حقوق الإنسان في الإسلام، وقدرتها على تحقيق أهداف السياسة العقابية الشرعية. وهذا ما يؤكد صلاحيتها للتطبيق إذا ما تحققت الشروط الموضوعية الأخرى، لأن النظام الجزائي الإسلامي -كما قلنا سابقاً- جزء من نظام تشريعي متكامل ومترابط لا يمكن تطبيق جزء منه وترك الأجزاء الأخرى.
إن دراسة النظريات العقابية ومناقشة التشريعات وقوانين العقوبات في الأنظمة الجزائية الوضعية الحديثة والشريعة الإسلامية، قد تطلبت اعتماد مناهج بحث متعددة، فالحديث عن مفهوم العقوبة وأساسها وخصائصها وأهدافها وفلسفتها وتطورها عبر الأزمنة، يتطلب اعتماد المنهج التاريخي الذي يكشف عن مراحل هذا التطور وأسبابه ومميزاته، ومدى تأثير التطور الحضاري للبشرية في تغيير نظمها السياسية والاجتماعية والقانونية والفكرية.. إلخ.
ولأن البحث يتناول كذلك بالدراسة والتحليل النظريات العقابية والتشريعات الجزائية في القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية، فكان لابد من اعتماد المنهج القانوني لدراسة مفاهيم العقاب والقواعد القانونية، والتفسيرات والاجتهادات التي قدمها علماء الإجرام والعقاب وهم يعالجون ظاهرة الجريمة وأسبابها وطرق معالجتها، ومسوغات العقاب وأهداف السياسة العقابية.
كما اعتمدت الدراسة منهج البحث المقارن في إطار مزدوج، أي المقارنة أولاً: بين مفاهيم وأسس وخصائص وأهداف العقوبة، ونصوص ومواد التشريعات الجزائية في النظامين الجزائيين الإسلامي والوضعي، لأن من أهم أهداف الدراسة الرد -عبر منهج المقارنة- على ادِّعاء أنصار القوانين الوضعية المعمول بها في بلداننا، بعدم صلاحية الشريعة للأزمنة المعاصرة، أو قسوة أحكامها الجزائية، ومخالفتها للمفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان.
فبالمنهج المقارن استطعت مثلاً إثبات أسبقية الشريعة في الكشف عن الكثير من المبادئ الحديثة في علم العقاب والتي لم تعرفها القوانين الوضعية إلا في القرن العشرين، كما أثبت قدرة العقوبات الشرعية على تحقيق أهداف السياسة العقابية الشرعية، بخلاف السياسات العقابية الوضعية التي تعاني من الإخفاق والفشل في تحقيق أهدافها.
ثانياً: بما أن الدراسة تخص الشريعة الإسلامية، فقد اعتمدت كذلك المنهج المقارن في عرض آراء المذاهب الفقهية الستة: الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي، الشيعي الإمامي (الجعفري) وأخيراً المذهب الظاهري. لكني لم أسلك سبيل الترجيح بين هذه المذاهب الفقهية في كل مسألة أو جزئية، لأن أي ترجيح هو اختيار مذهبي، ولكل مذهب دليله الخاص من قرآن وسنة أو اجتهاد، لذلك اكتفيت بالترجيح في عدد من المسائل المهمة فقط، لأن منهجي في العرض كان يهدف إلى الكشف عن نظرية العقاب في الشريعة من خلال آراء هذه المذاهب الفقهية الستة المعتمدة.
طبعاً، البحث في نظريات العقاب المختلفة لدى المدارس العقابية الحديثة والإطلاع على النظم والتشريعات الجزائية الوضعية، وكذلك البحث في نظرية العقاب في الشريعة وجرائم الحدود والقصاص والتعازير، كل ذلك تَطلَّب الرجوع إلى مجموعة من المراجع والمصادر القديمة والحديثة، سواء تعلق الأمر بالكتب الخاصة بهذه المواضيع أو المجلات الدراساتية أو بعض الصحف والجرائد، ومن أهم الصعوبات التي واجهتني أثناء قراءاتي وإطلاعي على هذه المراجع والمصادر، هو صعوبة الاستفادة من عدد كبير من المراجع الفقهية القديمة، فأغلبها غير محقق بعناية ومنهجية علمية تُسهل الاستفادة منها، ففي بعض المراجع يحتاج الباحث إلى قراءة البحث أو الفصل أو الباب كاملاً كل مرة لمعرفة رأي المذهب في جزئية معينة. بالإضافة إلى مُشكل كثرة الاختلافات المذهبية وتعدد الرأي داخل المذهب الواحد في كل مسألة، بحيث تصعب معرفة الرأي الراجح أو المعتمد في المذهب، ففي المذهب الحنفي هناك رأي مؤسس المذهب الإمام أبي حنيفة، وهناك آراء أخرى مخالفة له لأبي يوسف يعقوب، وزفر بن الهذيل ومحمد بن الحسن. وفي المذهب المالكي هناك عبد الملك الماجشون وابن القاسم وهما دائمي الاختلاف مع مؤسس المذهب الإمام مالك بن أنس، وكذلك الأمر بالنسبة للمذهب الشافعي فهناك رأي قديم وجديد، ورأي راجح ومرجوح في المذهب. وفي المذهب الحنبلي ليس هناك آراء بل روايات مختلفة، ففي كل مسألة تجد روايتين أو أكثر. أما المذهب الشيعي الإمامي فتتفق آراء علمائه حيناً مع أحد مذاهب الجمهور، وأحياناً أخرى كثيرة ينفرد بآراء تخالف ما أجمع عليه فقهاء الجمهور، وأخيراً يأتي ابن حزم الظاهري ليُسفِّه آراء هذه المذاهب ويوجه لها نقداً لاذعاً وقاسياً، وإن كانت لديه اعتراضات وآراء وجيهة في عدد من المسائل.
أمام هذا الكم الهائل من الآراء يصعب على الباحث ترجيح رأي بعينه والانتصار له بسهولة، فلكل -كما قلنا- مستنده ودليله النقلي أو العقلي. وقد تأثرت الكتابات المعاصرة في الفقه الجنائي الإسلامي بهذا الاختلاف، فترى البعض ينسب للمذهب المالكي رأياً باعتباره الرأي المالكي في المسألة، دون أن يشير إلى أن هذا الرأي هو لابن قاسم أو سحنون أو ابن الماجشون، في الوقت الذي ينسب كاتب آخر للمذهب المالكي رأياً آخر مخالف.
هذه الاختلافات دفعتني إلى انتخاب مجموعة من المراجع الفقهية القديمة في كل مذهب، والرجوع إليها كي أطمئن إلى نقل الرأي المذهبي من مرجعه الأصلي، مما مكنني من الترجيح بين بعض الآراء ونسبتها لأصحابها. بالإضافة إلى ملاحظة مهمة وتتعلق بالكتابات المعاصرة في الفقه الجزائي الإسلامي، فأغلبها -في نظري- عالة على ما كتبه الأستاذ عبد القادر عودة أو الشيخ محمد أبو زهرة، لدرجة أن عدداً من هذه الكتابات لم تُقدم شيئاً جديداً سوى إعادة ما كتبه الأستاذ عودة بلغة وأسلوب جديد، وفي أحيان كثيرة تُنقل نصوص كثيرة حرفياً دون الإشارة إلى ذلك في الهامش.
صعوبات أخرى واجهتني أثناء البحث والكتابة، فأنا لست متخصصاً في القانون، لذلك فقد تطلب الأمر مني الاعتكاف على قراءة الكثير من الكتب القانونية لفهم واستيعاب كل القضايا المتعلقة بالنظريات الجزائية وآراء المدارس العقابية، وتطور مفهوم العقاب في الأنظمة الجزائية الحديثة، وكذلك معرفة التشريعات العقابية الوضعية الغربية والعربية، لأتمكن من مقارنتها بالنظام الجزائي الإسلامي.
لكني لم أُواجه الصعوبة نفسها التي عانيت منها في قراءة المراجع الفقهية، فالكتب القانونية مُبوبة بشكل جيد ومكتوبة بمنهجية علمية، بحيث تسهل قراءة أي موضوع واستيعابه بشكل جيد في أكثر من مصدر أو كتاب.
لقد حاولت جهدي بحث موضوع العقوبة في الشريعة الإسلامية من كل جوانبه والكشف عن خصائصها وأهدافها وانسجامها مع المبادئ العامة لحقوق الإنسان في الإسلام، وقدرتها على تحقيق أهداف السياسة العقابية الشرعية. وكذلك التأكيد على أسبقية الشريعة في التوصل إلى أهم النظريات العقابية الحديثة واعتمادها، وبالتالي أحقيتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
قسمت الدراسة إلى ثلاثة أقسام في كل قسم فصول ومباحث ومقاصد بالإضافة إلى مدخل تمهيدي وخاتمة.
في التمهيد تحدثت عن أهمية الدراسات المقارنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، وقدرة المنهج المقارن على كشف أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما، كما أشرت إلى أهمية هذا المنهج بالنسبة للشريعة لأنه يحدد المجالات التي لم يبحثها العقل الاجتهادي الإسلامي، وبالتالي يدفع باتجاه الاجتهاد لاستنباط الأحكام والمفاهيم الجديدة التي تجعل الشريعة تواكب التطور الإنساني في جميع المجالات.
في القسم الأول وتحت عنوان: العقوبة: مفهومها وأساسها وأهدافها وتطورها في القوانين الوضعية، خصصت الفصل الأول منه للحديث عن تطور مفهوم العقوبة عبر العصور وفي القوانين الوضعية، وكيف تطورت النظرة إلى مفهومي الجريمة والعقاب من نظرة ساذجة إلى نظرة عقلانية علمية، عالجت كل ما يتعلق بهذين المفهومين من حيث الأساس الفلسفي والقانوني للتجريم والعقاب وأهداف السياسة العقابية. وأشرت إلى ما كشفت عنه المدارس العقابية الحديثة من آراء ونظريات واتجاهات عمَّقت البحث والدراسة لأسباب نشوء ظاهرة الجريمة، والبحث عن أفضل السبل لمواجهتها والقضاء عليها عن طريق أنواع متعددة للجزاء أو العقاب.
وقد قسمت هذا الفصل إلى مبحثين، في المبحث الأول عرَّفت فيه العقوبة وجوهرها، وكيف أن الألم الذي هو جوهر الجزاء ليس مقصوداً في ذاته، وإنما لتحقيق مصلحة الفرد بردعه وإصلاحه، ومصلحة الجماعة بمنع الجريمة.
أما المبحث الثاني، فقد خصصته للحديث بالتفصيل عن تطور مفهوم العقاب وأساسه وأغراضه في المدارس العقابية الحديثة وهي: المدرسة التقليدية، والمدرسة التقليدية الجديدة، والمدرسة الوضعية، والاتجاهات العقابية التوفيقية ممثلة في المدرسة الفرنسية والمدرسة الثالثة الإيطالية، والاتحاد الدولي لقانون العقوبات، وأخيراً حركة الدفاع الاجتماعي، وقد تحدثت بالتفصيل عن الآراء والنظريات والمفاهيم التي أرستها وقدمتها هذه المدارس والاتجاهات العقابية الحديثة لمعالجة ظاهرة الجريمة وأسبابها وأهداف السياسة العقابية، مثل: مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الذي نادت به المدرسة التقليدية، واعتبار العقوبة وسيلة وأداة لتحقيق المنفعة الاجتماعية ممثلة في الحفاظ على الأمن الاجتماعي، وضرورة أن تتناسب العقوبة مع جسامة الجريمة، ومبدأ اعتماد مفهوم الخطورة الإجرامية كأحد الأسس في اختيار العقوبة كما نادت بذلك المدرسة الوضعية، والاهتمام بإصلاح المجرم وإعادة تأهيله كهدف للعقاب وغيرها من الآراء والمفاهيم.
كما أشرت إلى المؤاخذات والآراء النقدية التي وُجِّهت لهذه المدارس ونظرياتها.
أما الفصل الثاني من هذا القسم فقد خصصته للحديث عن السياسات العقابية الحديثة، حيث عرضت في المبحث الأول منه المعالم الأساسية لتطور القوانين الجزائية الحديثة وخصوصاً الأنظمة اللاتينية التي تأثرت كثيراً بالمفاهيم والنظريات التي قدمتها المدارس العقابية الحديثة، وخصوصاً إقرار مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، والاستقرار على صورتي الجزاء الجنائي وهما: العقوبة والتدابير.
وفي المبحث الثاني من هذا الفصل، تحدثت عن أساس العقاب في الأنظمة الجزائية الحديثة والمتمثل في الجسامة الذاتية للجريمة أو الخطورة الإجرامية. أما في المبحث الثالث فقد خصصته للحديث عن الخصائص الأربع للعقوبة في الأنظمة الجزائية الحديثة وهي: الشرعية، القضائية، المساواة، الشخصية. وفي المبحث الرابع عرضت أنواع وصور الجزاء، فبدأت بالعقوبات وتقسيماتها المتعددة القائمة على معايير متعددة مثل: معيار جسامة العقوبة أو موضوعها أو طبيعتها، ثم انتقلت إلى الحديث عن التدابير الاحترازية، وبيَّنت الفرق بينها وبين العقوبة، كما تحدثت عن خصائصها وأنواعها.
وقد ختمت هذا القسم بخلاصة استعرضت فيها على شكل نقاط مجموعة من الاستنتاجات تكشف عن أهم معالم تطور مفهوم العقوبة في الأنظمة الجزائية الحديثة.
القسم الثاني من هذه الرسالة خصصته للحديث عن نظرية العقاب في الشريعة الإسلامية: مفهومه وأساسه، خصائصه وأهدافه. وقد قسمته إلى فصلين وسبعة مباحث. تحدثت في الفصل الأول عن مفهوم العقوبة وأساسها في الشريعة، فأشرت في التمهيد إلى أن نظام العقوبات في الشريعة هو جزء من نظام تشريعي متكامل، مُنزل من السماء، لم يتطور ولم يأت نتيجة تراكم معرفي حققه العقل الإنساني، وإنما تعاليم إلهية موحى بها إلى رسول الإسلام K، لذلك لن نتحدث عن تطور أو تراكم، بل نحن أمام أحكام ومبادئ ونصوص مُنزلة، لا مدخلية للعقل الإنساني فيها إلا في محاولة فهمها واستنباط الأحكام والقوانين منها.
ثم انتقلت بعدها إلى الحديث عن مفهوم العقوبة في الشريعة الإسلامية، فعرَّفت في المبحث الأول العقوبة لغة وفي الاصطلاح الفقهي، وكشفت عن جوهر العقوبة في الشريعة، وأشرت إلى مدى الاتفاق بين الشريعة والقوانين الوضعية حول مفهوم العقوبة وجوهها، وكيف أن مفهوم العقاب في الشريعة أوسع وأشمل فهو دنيوي وأخروي، أما في القوانين فينحصر بالجزاء الدنيوي الظاهري.
في المبحث الثاني، تحدثت عن أساس حق العقاب، فعرَّفت المحظورات الشرعية ممثلة في الجرائم والمعاصي، لِأَصِلَ إلى أن هناك تقسيماً ثنائياً للجرائم والعقوبات في الشريعة الإسلامية، فالجرائم تنقسم حسب العقوبات المقدرة لها إلى جرائم معينة ومنصوص عليها في الشريعة ولها عقوبات مقدرة أيضاً وهي الحدود والقصاص، وجرائم بعضها منصوص عليه وبعضها غير منصوص عليه يُعينه ولاة الأمر من حُكام وقضاة وفقهاء، انطلاقاً من مصلحة المجتمع وتحقيقاً لمقاصد الشريعة، ويعاقب على هذه الجرائم بعقوبات مختلفة بعضها منصوص عليه، والبعض الآخر موكول إلى الحاكم الشرعي تقديرها. وبناء على هذا التقسيم الثنائي فإن للعقوبات المقدرة أساسها وللعقوبات غير المقدرة أساسها كذلك. وقد تحدثت بالتفصيل عن أساسين للعقاب في الشريعة هما: أولاً التشريع الإلهي الحكيم، ثانياً: المنفعة أو المصلحة، وقد تحدثت بالتفصيل عن مفهوم المصلحة باعتباره أساساً للعقاب في الشريعة، واستعرضت أقوال الفقهاء في المصلحة أو المنفعة.
المبحث الثالث، خصصته للحديث عن معيار تعيين العقاب في الشريعة، فأشرت إلى أن تقسيم الجرائم في الشريعة إلى حدود وقصاص مبني على أساس تقدير العقوبة وجسامتها وخطورتها، لذلك فعقوبات هذه الجرائم تستند إلى جسامة الجريمة، فلا يُنظر إلى شدة العقوبة أو قسوتها، وإنما يُنظر إلى الحق المعتدى عليه. أما جرائم التعازير فجرائم أقل خطورة، لذلك جاءت عقوباتها متنوعة وأقل شدة، وأُعطي للقاضي أو الحاكم الشرعي حق تقديرها بما يتناسب مع خطورتها وخطورة الجاني، وبما يحقق أهداف السياسة العقابية الشرعية في الردع والإصلاح والتأهيل.
الفصل الثاني من هذا القسم، تناولت فيه خصائص العقوبة وأهدافها في الشريعة، فبدأت في المبحث الأول باستعراض خصائص العقوبات المقدرة، أي الحدود والقصاص وهي: الشرعية والقضائية والمساواة والشخصية، وكذلك خصائص العقوبات التعزيرية. مؤكداً على أن هذه الخصائص والمميزات تعتبر ضمانات شرعية لحقوق الإنسان المسلم، لحمايته من تعسف المجتمع أو القضاة والحكام، كما تحقق مقاصد الشريعة في الدفاع عن المجتمع الإسلامي ضد مخاطر الجريمة. وقد أشرت كذلك إلى أوجه الاتفاق والاختلاف بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية في هذه الخصائص والمميزات.
في المبحث الثاني عرضت تصنيف العقوبات وأنواعها في الشريعة الإسلامية، فقد قسمت الشريعة العقوبات إلى ثلاثة أقسام: حدود، قصاص ودية، تعازير. وهناك تصنيفات متنوعة للعقوبة منها ما هو مبني على جسامة الجريمة، ومنها ما هو مبني على الرابطة بينها، ومنها المبني على موضوعها أو من حيث محلها. بالإضافة إلى تصنيفها من حيث النص والتقدير من عدمه، وبحسب الجرائم التي فُرضت عليها. وإذا كان هناك تشابه بين هذه التقسيمات والتصنيفات للعقوبة في الشريعة ومثيلاتها في القوانين الوضعية، فإن الشريعة قد انفردت ببعض التصنيفات مثل التقدير من عدمه، كما اختلفت مع القوانين في اعتماد العقوبات البدنية والنفسية، باستثناء عقوبة الإعدام التي هي الآن مثار جدل مستمر بين رجال القانون والمنظمات الحقوقية في العالم.
أما المبحث الثالث فقد خصصته للحديث عن التدابير الاحترازية في الشريعة الإسلامية، فأكدت أن النظام الجزائي الإسلامي قد عرف التدابير الاحترازية قبل أن تعرفها القوانين الوضعية، لأن الشريعة اهتمت بتربية الإنسان المسلم وتهذيبه وتطهيره، بُغية إيصاله إلى كماله الروحي والجسدي، لذلك لم تكتف بتجريم بعض الأفعال أو تحريمها لكونها مفاسد أو اعتداء على حق الله أو حقوق الأفراد أو حق النفس والجسد، بل حرَّمت ونهت عن سلوك كل طريق أو فعل يؤدي إلى هذه الأفعال المحرمة، وبالتالي فقد عَمِلت على اجتثاث الجريمة من جذورها بمواجهة دوافعها وأسبابها الذاتية والموضوعية.
وقد استعرضتُ المسالك العامة للشريعة في التدابير الاحترازية والوقائية والإصلاحية متمثلة في: الإيمان بالله وقوة الضمير الديني، والعمل على بناء مجتمع الفضيلة عن طريق:
1- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
2- تحريم إشاعة الفواحش أو الترويج للمنكرات والمفاسد،
3- تشريع العقوبات الرادعة.
كما أشرت إلى نوع التدابير الاحترازية الخاصة التي اعتمدتها الشريعة لكل جريمة من جرائم الحدود والقصاص، وكذلك التدابير الاحترازية الخاصة بجرائم التعازير لأَصِلَ إلى تأكيد حقيقة أن مسالك الشريعة في التدابير الاحترازية جاءت أشمل وأكمل وأكثر فاعلية وجدوائية في الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة وإصلاح وتأهيل المجرمين، لأنها عالجت أسباب ودوافع الجريمة الذاتية والموضوعية بشكل أعمق وأشمل، انطلاقاً من الجمع بين البُعدين الروحي والمادي في حياة الإنسان.
وأخيراً تحدثت في المبحث الرابع من هذا الفصل عن أهداف العقوبة وفلسفتها في الشريعة، فأشرت في البداية إلى أنه لا يمكن الحديث عن أهداف العقاب في الشريعة بمعزل عن أهداف الرسالة الإسلامية ومقاصدها العامة في الخلق والاستخلاف، لذلك فأهداف العقاب في الشريعة متعددة، تتمثل في تحقيق العدالة والردع بنوعيه الخاص والعام، وإصلاح وتأهيل الجناة، وحماية المصالح الفردية والاجتماعية والدفاع عن القيم الدينية والأخلاق، بالإضافة إلى التكفير عن الذنب وأهداف أخرى تساهم في تحقيق مقاصد الشريعة. وبشكل عام فقد احتضنت الشريعة جميع مسوغات العقاب وأهدافه التي كشفت عنها المدارس العقابية الحديثة، بالإضافة إلى أهداف أخرى.
القسم الثالث من الرسالة، تناولت فيه بالدراسة والتحليل جرائم الحدود والقصاص والتعازير وعقوباتها في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، وذلك من خلال ثلاثة فصول.
في الفصل الأول من هذا القسم تحدثتُ عن جرائم الحدود وعقوباتها في الشريعة والقوانين الوضعية. والجرائم هي: الزنا، القذف، شرب الخمر والمسكرات، السرقة، الحرابة، البغي، الردة. والمنهج الذي اتبعته هو تخصيص مبحث خاص لكل جريمة، وقد قسمت المبحث إلى مجموعة من المقاصد أهمها: تعريف الجريمة لغة وشرعاً، وحكمة التجريم ومشروعية العقاب، وشروط الحد، وطرق إثباته، وعقوبته وكيفية تنفيذ الحد ومسقطاته. ثم تحدثت عن هذه الجرائم كذلك في القوانين الوضعية، فركزت على تعريفها وطرق إثباتها وعقوباتها في هذه القوانين.
بعد ذلك قُمت بعرض مقارنة بين عقوبات هذه الجرائم في الشريعة الإسلامية وفي القوانين الوضعية، للإجابة على السؤال الأساسي في هذه الرسالة، وهو: هل العقوبات الشرعية قاسية ومخالفة لحقوق الإنسان؟ أم أنها منسجمة تماماً مع فلسفة التجريم وحكمته في الشريعة، وتحقق أهداف السياسة العقابية الشرعية؟
وقد تطلبت الإجابة على هذه الأسئلة، دراسة العقوبات البدنية الشرعية المختلف حولها مثل: الرجم والجلد وقطع اليد، دراسة علمية أكدت فيها أن أساس الاختلاف بين الشريعة والقوانين لا يكمن في تشريع العقوبات البدنية أو إلغائها، وإنما في أساس تجريم الفعل، والنظر إلى جسامته. فالعقوبات البدنية القاسية شُرِّعت للعقاب على جرائم جسيمة وخطيرة في عُرف ونظرة الشريعة الإسلامية، وهذه القسوة أولاً تناسب هذه الجسامة، ثانياً تحقق الردع بنوعيه الخاص والعام. أما في القوانين الوضعية فبعض هذه الجرائم غير معاقب عليها أصلاً لأنها لا تعتبر جرائم، أو يعاقب عليها بعقوبات سالبة للحرية أو مالية فقط. ولا ينظر إليها بنفس منظار الشريعة، لذلك فمن المواضيع التي تمت معالجتها في هذه المباحث مسألة قُدرة العقوبات الوضعية على تحقيق أهداف السياسة العقابية، في الردع والدفاع ضد الجريمة، وهل فشلت في ذلك؟ أم حققت الغاية منها؟
كذلك عالجتُ مجموعة من المواضيع ذات العلاقة بالعقوبات الشرعية مثل: إمكانية تطوير هذه العقوبات أو تغييرها واستبدالها بغيرها؟ ومسألة تخدير الأعضاء قبل تنفيذ العقوبات الشرعية مثل الرجم والجلد وقطع اليد أو الأصابع في السرقة أو في القصاص، ومواضيع متفرعة أخرى.
أما في الفصل الثاني من هذا القسم فقد خصصته للحديث عن عقوبة القِصاص من خلال مجموعة من المقاصد، حيث عرَّفت القِصاص لغة وشرعاً، ثم تحدثت عن أنواع القتل لدى المذاهب الفقهية، وعرضت لأنواع الجراح والشجاج، وطرق إثبات القتل، وعقوبات جرائم القتل والجراح والشجاج. كما ناقشت مجموعة من المسائل ذات العلاقة مثل مفهوم القسامة كوسيلة إثبات للقتل، والإشكالات التي تثيرها أصناف الديات المعتمدة في الفقه الإسلامي.
انتقلت بعد ذلك للحديث عن عقوبات جرائم القتل والجراح والشجاج في القوانين الوضعية. وفي الأخير عالجت بالتفصيل قضية الإعدام، واستعرضت أقوال خصومها والمدافعين عنها وأدلة الطرفين. ثم تحدثت عن أهمية وقدرة عقوبات القِصاص في الأنفس والأطراف على الردع ومواجهة جرائم الاعتداء على الأرواح والأشخاص، وفشل عقوبة السجن والغرامات المالية في الحد من تنامي جرائم القتل في الدول التي لا تطبق عقوبة الإعدام أو القِصاص.
أما في الخاتمة فعرضت فيها أهم الخلاصات والاستنتاجات التي توصلت إليها من خلال المقارنات الكثيرة التي عقدتها بين الشريعة والقوانين الوضعية في قسميها العام والخاص. وأهمها:
أولاً: أسبقية الشريعة في الوصول أو احتضان أهم النظريات العقابية الحديثة، بالإضافة إلى نظرتها الشمولية والكلية لمفهوم العقاب.
ثانياً: انسجام النظام الجزائي في الشريعة مع أهداف السياسة العقابية الشرعية، وقدرته على تحقيق هذه الأهداف.
ثالثاً: لا يمكن تطبيق النظام الجزائي الإسلامي بمعزل عن تطبيق سائر النظم الإسلامية الأخرى، السياسية والاقتصادية والاجتماعية الثقافية..الخ. لأن أي تطبيق جزئي للشريعة ستكون له نتائج سلبية، ولن يحقق مقاصد الشريعة.
رابعاً: لابد من تشجيع جهود تقنين النظام الجزائي الإسلامي من خلال المذاهب الستة، أو من خلال كل مذهب على حدة، فهناك ثروة فقهية ضخمة تحتاج فعلاً إلى تقنين وتبويب لتسهل الاستفادة منها في أية محاولة لتطبيق الشريعة الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي.
وأخيراً لابد من الاعتراف بأن هذه الرسالة لم تكن لِتُنجز لولا تظافر جهود جهات متعددة ومساعدتها ومشاركتها لي، الجهة الأولى: كلية الإمام الأوزاعي (رحمه الله) للدراسات الإسلامية متمثلة في عميدها المبجل وجميع المسؤولين فيها وخصوصاً القيمين على مكتبتها الزاخرة، والذين يبذلون كل ما في وسعهم لمساعدة الطلبة والباحثين، فجازاهم الله خيراً.
الجهة الثانية: أستاذي والمشرف على هذه الرسالة الدكتور القاضي فوزي أدهم، فله خالص شكري وامتناني الكبير، أولاً: على تعامله الراقي معي، مما شجعني على متابعة القراءة والبحث من أجل إنجاز ما تم إنجازه. ثانياً: على التوجيهات القيمة والإرشادات العلمية والمنهجية التي استفدت منها كثيراً في إنجاز هذه الرسالة.
كما لا يفوتني أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى كل من ساعدني أو قدَّم لي عوناً مادياً أو معنوياً، وأخص بالذكر صديقي الكاتب والمفكر الإسلامي محمد محفوظ، الذي ما فتئ يُشجعني على متابعة الدراسة والتحصيل العلمي والأكاديمي فجازاه الله عني خير الجزاء.
إن الهدف الرئيس من هذه الرسالة هو الدفاع عن الشريعة الإسلامية والرد على خصومها والمنتقدين لأحكامها، والانتصار للعدالة الإلهية، فأرجو الله أن أكون قد وُفِّقت إلى حد ما في تحقيق هذا الهدف، وحسبي قوله سبحانه وتعالى: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة، الآية 105].
الهوامش:
(1) أين الخطأ: تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد، بيروت: دار الجديد، ط2-1992م، ص73.