الصفحة الرئيسية
أعداد الكلمة
كُتّاب الكلمة
الكلمة في الإعلام
اشتراكات الكلمة
اتصل بنا
البحث في الموقع
 



 

 

العدد ( 77 ) السنة التاسعة عشر ، خريف 2012م / 1434هـ

 

فلسفة الفن عند الأستاذ عبدالسلام ياسين
إدريس مقبول

إدريس مقبول*
* كاتب وباحث من المغرب.


يأتي الاهتمام بالقضية الفنية في فكر الأستاذ عبدالسلام ياسين من منطلق أن الوجود الحضاري للأمة كما يتأسس على أسس القوة المادية التي يمليها منطق التدافع القرآني أي التدافع الجدلي بين الخير والشر الذي هو أصل التقدم والحركة، يتأسس كذلك على جناح تلبية الحاجات النفسية والذوقية والجمالية بمقتضى الإيمان الذي هو خزانة الحقائق في مواجهة ثقافة الترف المادية التي أفرغت الكائن الإنساني من سائر أبعاده الإيمانية، ومسخت فطرته بما أدخلت عليه من أنواع التشويه بواسطة الصناعة الإعلامية بشطريها الحامل والمحمول. حيث بات أغلب المنتج الفني السائل باعتبار عالميته الزائفة وكونيته الخادعة مشجعاً على الانزلاق في منحدرات ومهاوي الشذوذ، من زاوية أنه منحى إنساني وطبيعي، بل هو المثال الجمالي في بعض الأحيان.
*القسم الأول: الجماليات الإسلامية والبحث عن المعنى
المطلب الأول: في الحاجة للفن الإسلامي
إن الحديث عن «المجتمع الأخوي الذي تنْشُدُه البشرية ويملك الإسلام سر إقامته، وقواعد بنائه، ومخطط نشره، ونصائح المحافظة عليه» ، هو حديث يستدرجنا بالضرورة للكلام في القسم المتعلق بمتطلبات الإحسان والذوق وحاجة النفس الإنسانية لأمرين: التعبير الإبداعي والفسحة حاجتها لتحقيق العدل فيما بين بني البشر.
والأستاذ ياسين يَعتبر أن الفن الإسلامي أو الجماليات الإسلامية  ينبغي أن تكون -في هذا السياق التربوي- التعبير الإنساني الأسمى عن الروح القرآني إسلاماً وإيماناً وإحساناً، بما تفيده هذه الدرجات من معاني الترقي والصعود والمكابدة «بجمالية تشف عن المقصود الروحي لا تحجبه، تنم بتلطف عمَّا وراء الكلمة والصورة والصوت وما تحتهن، تجلو الحقيقة وتزفها للناس في حلل بهية» .
فالفن الإسلامي من هذه الجهة معادلة متعالية تجمع إلى الصيغة الجمالية المتلطفة المقصود الروحي الذي ليس سوى الحقيقة التي تَعِب الإنسان طوال تاريخه في ملاحقتها وتأويلها، بل أحياناً إخفائها وطمسها عبر فلسفات ومذاهب فكرية ، في الوقت الذي قدمتها الرؤية الدينية الإسلامية من خلال رسالة الوحي ناصعة شفافة مستقيمة لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً.
في البداية يسوغ لنا القول بأن الفن الإسلامي أو الجماليات الإسلامية يمكن أن تجد تجسيدها المثالي فيما يسميه الأستاذ ياسين في اجتماع قدرتين أو لنقل قيمتين هما: الرحمة والحكمة، وهما قوام الإبداع الإسلامي في الرؤية المعرفية القرآنية، وذلك حين يجتمع العقل والقلب معاً في خدمة الغائية لدى الإنسان المؤمن ، يقول الأستاذ ياسين: «نرجع للقرآن والسنة للاستدلال والاستشهاد فما لنا مرجع سواهما. وقد رأينا أن لغة العصر رَمَت العربية الشريفة بدائها، فاختلطت المفاهيم. ورأينا أن غياب المعاني السماوية والقلبية والأخروية من كلام الناس غَيْرِنا أحدث بالعَدْوَى والتقليد والانطباعِ الغافلِ تفريغاً لِلُغتنا من محتواها الإيماني الغيبي.المفتاح اللغوي الفكري الذي نقترحه هو أن نسمي رحمةً كل معاني الغيب الربانية والقدرية والقلبية والملكوتية والأخروية. وأن نسمي حكمةً ما تُدركه الحواس ويعالجه العقل وتأمر به الشريعة. فالإيمان عندنا قول وعقيدة وعمل. كلمة عقيدة لا تؤدي المعنى الذي قصدناه بكلمة رحمة، وكلمتا عمل وقول لا تؤديان ما تدل عليه كلمة حكمة من تفكير، وتلقٍّ للشريعة، واستنباط لأحكامها، ثم تطبيق لأوامرها، والتماس أحسن السبل لذلك. فإن قلنا: الإيمان رحمة وحكمة، فعسى نستوعب في كلمة إيمان الجانب القلبي الغيبي الغائب في لغة الجاهلية ومن والاها، والجانب الشرعي العقلي» .
الرحمة والحكمة إذن مفتاح لطاقتي الإنسان العقلية والقلبية في اتجاه فهم أقرب وأسلم للعالم من حولنا، وللمعرفة التي نحملها وتحيط بنا، وأيضاً لمستغلقات الحقائق الغيبية التي حملتها لنا رسالة السماء. وما لم يتم تشغيل الطاقتين على التعاون فيما بينهما، وعلى التخادم بأن تخدم إحداهما الأخرى لا على التصارع والصدام؛ فإن إدراكنا وإبداعنا وفهمنا وسعينا سيكون غاية في القصور والنقص مهما بدا للعيان اكتماله، ومعلوم أنه جرى في تاريخ الأفكار كما جرى في تاريخ الفن الصراعي حيف كبير على جهة من جهاتها القلب أو العقل.
وإذا استبان المغزى من اقتراح الأستاذ ياسين لمفهومي «الرحمة» و«الحكمة» الجامعين لتضافر القيم العقلية (الحسابية والمنطقية) والقلبية (الذوقية والجمالية) باعتبارهما مفهومين مفتاحين في البناء والإدراك وتالياً في الإبداع الإيماني، انتقلنا لبسط مسألة الفن في صلته بالمعنى في نظرية المنهاج، أو ما يسميه برجسون وكروتشيه البعد المعرفي للفن ، ذلك أن البحث في الفن هو أولاً وأخيراً بحث عن معنى ظاهرٍ أو متوارٍ تهفو له الروح كما سنرى، وهو مجال للبحث الفلسفي والديني لا يملك «العلم» بمعناه الوضعي أن يتخطاه بسبب أسواره وحدوده .
ونظراً لخطورة المفاهيم وتحيّزها للنسق الثقافي الذي أنبتها فإننا نجد الأستاذ ياسين يعبّر عن هذه الحساسية ويرفض المقابلة السهلة بين الكلمات ومرادفاتها بين اللغات، ذلك أن المفاهيم الثقافية ومنها الفنية لا تعني ما تعنيه في لغاتها الأم، لأن «المفاهيم تتزحلق، وتخرج من نظام علمي إلى نظام، فتفقد قوتها وأصالتها ومغزاها... الوثنية الإغريقية والمادية الحديثة والفلسفات المتتالية والفنون المستحدثة، كل ذلك يتقاطر على الألفاظ ويجْرف الألفاظ ويزحلق الألفاظ عن مدلولاتها القرآنية النبوية، فإذا هي أشباح في الأذهان بعد أن كانت حياة وباعثة حياة» .
هو إذن إجراء أولي في باب البناء الفلسفي يتوخى التوقف ومعالجة الإسهال الذي يجري باسم الفكر وترجمته من لسان إلى لسان مدعياً أصحابه الانفتاح والكلام بدون مراعاة انغراس الفن في الفكر، وانغراس الفكر في العقيدة، وارتداد العقيدة لشروط واقعها ومنبتها.
المطلب الثاني: الفن والبحث عن المعنى
في نظر الأستاذ ياسين يتطلع العالم اليوم إلى «المعنى»، يتطلع إلى شيء أضاعه فهو يفتش عنه من خلال الفلسفة والفن والدين وغيرها من الوسائل، والإنسان عبر تاريخه كان دائماً يبحث عن «المعنى»، وفي مسيرة البحث عن «المعنى» كان الإنسان يجد نفسه أو يفقدها، وفي كل مرة يتشكل المعنى في شكل من الأشكال، ينتظر العالم رسالة تمنح للحياة وللكون «معنى»، عملية معرفية تَبدأ بكشف الغشاوة لتتضح الرؤية ولِيَرْتَفع الانزعاج المرضي الذي يعترض الرسالة الإلهية ويقمع الصوت الداخلي الذي ينبعث من أعماق كل واحد منا، عالما مُتَوَّجاً أوْ إنساناً مغموراً! .
يتحدث الأستاذ ياسين مرارا عن «عالم فقد المعنى، وإنسان تتأرجح به سفينة هائمة» ، وهي استعارة فلسفية جاءت نتاج تصوير ما آلت إليه الحضارة المادية الغربية في مسيرتها واعتدادها بالبعد الكمي على حساب الجانب الروحي، وهي حقيقة أكدها لفيف من حكماء الغرب وفلاسفته، يقول ألبرت شفيتسر: «إن تقدم الحضارة المادية أكبر من تقدمها الروحي.. نحن نعاني في تقدير إنجازاتها المادية، ولا نقدر أهمية العنصر الروحي في الحياة حق قدره. إن الحضارة التي لا تنمو فيها إلا النواحي المادية دون أن يواكب ذلك نمو متكافئ في ميدان الروح هو أشبه ما تكون بسفينة اختلت قيادتها، ومضت بسرعة متزايدة نحو الكارثة التي ستقضي عليها» .
إن العالَم في نظر الأستاذ ياسين قد دخل في دَوامة سريعة، و «سفينةُ الإنسانية بقيادة الحضارة المادية تاهت عن أصُول الفطرة، وفقد رَبابنتها حِس الوِجْهَةِ، فهي تضطرب مع أمواج الأزْمات. ملَّ الإنسانُ الماديَّةَ وعافها، ومَلَّ الفلسفة اليمينية واليسارية، وأصبح يبحث عن البديل» .
ولا يني الأستاذ ياسين من أجل رسم حركة سفينة الحياة المعاصرة أن يقيم مقابلة بين الزمن المعرفي لبعثة التجديد المحمدي وزمننا المعرفي، فقد «بُعِث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوم دهريين، نظرتهم إلى الدنيا والحياة كما قال الله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} (سورة الجاثية: 24). وجاهليتُنا المعاصرة مادية تجحد وجودَ الله، تنكره، وتفلسف العبثية. حضارة بلا غاية، سفينةٌ تعصف بها الرياح. وتهبُّ علينا تلك الرياح الهوجاء، رياح الثقافة «المتقدمة» والإعجابِ بالأوروبيِّ، المخترع الصانع، فيتقلصُ في ذهننا معنى الإسلام في حدود عبادة سطحية، ونظام اجتماعي وسياسي، ندافع عنه، ونُنَظِّرُ له لنضاهيَ وننافس ما عندهم من نُظم. وتكونُ العبادة في هذا القطارِ عربةً مجرورة» .
وفي رصدنا للمعنى الذي يقصده الأستاذ ياسين والذي افتقده العالم يمكننا الحديث عن معنيين رئيسين متصلين:
الأول: معنى الروح: وهو مبدأ رمزي كلي له بعدان: وجودي ودلالي، ومقتضاه العملي أنه يتعيَّن على الإنسان أن ينقطع عن أدوات التحليل الوضعية أولا وينصرف ليستضيء بضوء خبر السماء أو القرآن ليكشف له آدمية الإنسان، وتركيبه من الصورة المادية والمعنى، من الجسم الفاني والروح الخالدة، من العقل الخادم والقلب السيد، موطن الداء ومقر السّناء .
ومعنى الروح باعتباره مبدأً وجوديًّا عند الأستاذ ياسين يجد تجسيده في لغة القرآن التي تحمل التنوير، لأن اللغة لا تنفك عن الفكر والمعرفة، ولهذا عندما تتغيَّر اللغة في نظر الأستاذ ياسين يتغيَّر التنوير كما تتغير طريقة التصدي للمشاكل، السياسي منها والاجتماعي والاقتصادي، ويحتل الكلي الصدارة. وعليه ينبغي ألَّا يحجب التأكيد على حوادث هذا العالم هَمَّ الإنسان الأول، ألا وهو إسماع الرسالة القرآنية، رسالة السلام لعالم عنيف، رسالة المعنى لعالم ضائع، رسالة الروح للإنسان المريض بحداثته .
الثاني: معنى الاستماع: وهو مبدأ معرفي سلوكي متصل بآلة السمع الداخلية أي القلب، ومقتضاه حقيقتان:
الأولى: أن الله كرم الإنسان بالعقل، وأَهَّل هذا العقل بملكة البيان، «لكن الكلام واللغة لا ترفع الإنسان عن مرتبة الحيوانية التي يشبهها بالجسم ما دام يلغو وينطق ويفلسف على مستوى حيوانيته وجسمانيته وحسه وشهواته وكل ما يلصقه بالأرض ويثبط تطلعه للسماء.
إنما يرفعه عن حضيض الحيوانية الناطقة المتكلمة اللاغية فتح سمعه لتلقي الوحي من الرسل (عليهم السلام)» .
الثانية: «أن دعوة الرسل وخطاب الله عز وجل عباده في القرآن يعتمدان على إثارة كوامن الإنسان التي خلقها سبحانه قبل العقل ومن وراء العقل وفوق العقل في طيات الكائن البشري حتى يميل المعنى الإنساني المسمى قلباً إلى «سماع» الحق. وكلمة «سمع» في القرآن أساسية. فهي في القرآن مفتاح القلب ومدخل الإيمان. وهي في القرآن كثير. قال الله عز وجل: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} (سورة الأنعام: 36). على العقل أن يجالس القرآن والداعيَ ويتلمذ له و «يسمع». فالسماع بهذا المعنى القرآني هو مصدر العلم. ثم يتسرَّب الإيمان للقلب، ويتسع القلب ليكون وعاء صالحاً لاستيعاب القرآن ورسالة القرآن» .
والأستاذ ياسين يتكلم عن منّة السمع وحاسة السمع وكرامة السمع، وهي كلها من أعظم العطايا الإلهية، إذ هي القناة التي منها يصل خبر وجود الله، والعلم بالله، والعلم بطريق السعادة وحقائق المحيا والممات، والسمع كما هو معروف يذكر في القرآن قبل البصر، وتفسيره عند الأستاذ ياسين «أن حاسة الإبصار وما يلتقطه البصر من صور العالم لا تحمل إلى العقل رسالة إلَّا عن العالم المرئي، لا يخبر البصر عما وراء المرئي ولا عن أصله، ولا عن معناه» .
وقد وصف الحق سبحانه الصم البكم العمي الذين لا يعقلون في قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (سورة الأعراف، الآية: 179).
يقول الأستاذ ياسين مفسراً أي: «لهم قلوب العَضَل الصنوبري التي تمرض من ترف الحضارة، ومآكل الشره، وضغوط هموم المدنية الصاخبة السريعة الدائرة بالإنسان الفردي في دوامة الهوس المعاشي، لكن ما لهم قلوب الفقه عن الوحي، ولا آذان الاستماع من الوحي ولا أعين الاستنارة بالوحي» .
وإذا كان السماع واحداً من مصادر العلم الحق والإبداع عند الأستاذ ياسين، فالاستماع تجلي العلم بالخفقان على الكيان مصداقاً لقوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}، وهذا التجلي يتطلب تدرُّجاً كما هو شأن كل تربية، ويجعل الأستاذ ياسين من القرآن سماع الإحسان الذي إليه تتطلع أفئدة وقلوب أهل المعرفة فتتلذذ وتصفو  من خلال الذِّكرين: النَّفْسي والمَلَئِي في الحق وفي الخلق، وهما مَجْلَيَا الجمال، فلننظر فيهما.
*القسم الثاني: في الجمال والتربية الجمالية
المطلب الأول: بين جمالين
يميز الأستاذ عبد السلام ياسين بين نوعين من الجمال، كلاهما مما تتوق له النفوس وتنجذب له الأرواح، أما الأول فالجمال المطلق وهو عنده أشبه ما يكون بمقولة ميتافيزيقية باعتبارها سمة الوجود وأسمى ما يمكن أن يتوجه إليه كل موجود، ويرمز للحق سبحانه الذي هو أصل كل جمال، وطبيعة الانجذاب إلى هذا الضرب من الجمال فطرية، وتكون بداعي تحقيق مبدأ الاقتراب من الأصل، اقتراب يتجسد سجوداً وخضوعاً في دائرة الأمر لمن له الأمر، كما يتجسَّد في الفن الإحساني الذي يمتح من رحيق القرآن ومن عبقه ومن سماعه وطربه، يقول الأستاذ ياسين: «إن للروح تطلُّعاً إلى الجمال المطلق وهو الله تعالى، تحن الروح إلى أصلها في قربه، أما الفِطَر السليمة فأشواقها إلى ربِّها ترفعها ولو بعد فتَراتِ حب اللهو إلى مقامات الإحسان، فيصبح كلام الله بَلْسَمَ حياتها وربيعَ قلبها... تطلّع سماوي أفقه القرآن، وغذاؤه القرآن، وسماعه القرآن، وطربه القرآن» .
والجمال المطلق هو الذي يطلق قدراتنا الفطرية على التعجب الدائم في عالم الآيات، حتى إذا انطمست الفطرة «تُعمينا العادة فيَبطل فينا حس التعجب مما حولنا، ومما فينا، ومما هو من صميم كياننا الجسدي النفسي الوظيفي، تبارك الله أحسن الخالقين» .
والإحسان إذا كان من معانيه اقتراب الروح من باريها حتى تصير بمنطق الحديث «كأنك تراه» ، بما هو اقتراب النفس من جوهر الجمال الحق وتعطشها إليه، فإن له معنى ثانياً عند الأستاذ ياسين يكمن في «إتقان الفنون البشرية المتاحة المسخرة لتمتَدَّ يَدُ القوة المعدة سبباً واصلاً بين السماء والأرض» .
وأما الجمال الثاني فالجمال هكذا مجرداً من أي وصف، وهو الجمال النسبي الذي يشد بخطامه الغرائز والطبيعة ويأسر الإنسان في دائرة المادي، وهو يستغرق كافة الأشكال الدنيوية التي تأخذ بشهوة الإنسان وذوقه وتملك عليه إحساسه ومشاعره، وهي ليست كلها محظورات بكل تأكيد، إذ إن منطق الشريعة جاء لتنظيم مساحتها وترتيبها وترقية مباشرتها، بيد أن الانغماس الحيواني فيها هو الذي يهبط بها وذلك حين تفسد الفطرة، ومُستمَد هذا الجمال في هذه الحالة كما يقول الأستاذ ياسين «الفِطَرُ المطبوع على قلوبها فيتكسر ذلك التطلع الفطري فيها إلى الجمال على صخور قسوة القلب. لا يكاد يرتفع قليلاً حتى تقتنصه الغرائز، وتجتذبه الشهوات، وتأسره النزوات، فإذا هو في قبضة الفن الماجن» .
وتفسير هذا أن الجمال النسبي في حال الغفلة والانقطاع ينزل على فطرة مطموسة فيأخذ بسلطان الناظر إلى شعاب الشهوة، ولهذا كانت عيون الشهوة لا ترى سوى المظاهر السطحية.
فكيف السبيل إذن للتخلص من هذه القبضة؟
المطلب الثاني: التربية على الجمال
يعطي الأستاذ ياسين لأمر التربية في منهاجه موقعاً متميزاً، فـ«التربية تغيير لنفس الإنسان، وبعث لإرادته بتصفية رؤيته لنفسه ومصيره وللعالم، وتحرير لعقله ببث روح الإيمان بالغيب، وبالتربية يصبح الإنسان هو الفاعل التاريخي الذي يؤثر فيما حوله، فمهما كانت درجة تقنيته ومهما كان الوسط الطبيعي الذي يعيش فيه ومهما كان جنسه وعرقه وبنية مجتمعه فإن التربية تحول طاقته وتجندها وتطلقها» .
ولعله من أساسات هذه التربية التي هي طريق لبلوغ أسمى ما في الإنسانية من دوافع للسمو الروحاني كما يقول شيللر  ما يسميه الأستاذ ياسين بالجماليات النبوية  التي ترشح بالتربية على صفحة جمال النفس المومنة طمأنينة وسعادة ، كما تتجلى في «سِيما الوجوه الساجدة المنوَّرَةِ، وفي جمال السلوك الخلُقِيِّ من صبر جميل، وصفح جميل، وسَرَاح جميل، وهجر جميل كما جاء في القرآن. وينبغي للمجتمع الإيمانيِّ أن يكتسي بالسَّمْتِ الجميل والمظهر الكريم النظيف. لا تَرَفَ ولا زخرفة، لكن المظهرُ اللائقُ البسيطُ، الجميلُ ببساطته وبما ينِمُّ عنه من جمالٍ في الباطن. في الحديث: «إن الله جميلٌ يجب الجمال» . فيرَبَّى النشءُ على دوام الطهارة والنظافة، والسواك، والتطيب، والعناية بخصال الفطرة من شعر وأظفار. ويُرَبَّوْنَ على لُبس اللباس البسيط الأنيق بلا ترف ولا تَشَبُّه بالكفار ولا تكبر، وعلى ترك الزينة الحرام، وعلى الكلمة الطيبة، والحياء والوقار، والبِشْرِ الدائم والابتسامة المشرقة، وكلمة السلام عليكم، وتشميت العاطس إلى سائر ما فصلته السنة النبوية من جماليات وآداب» .
والجماليات النبوية هي التي تستدعي «التجمل» بما هو إظهار للجمال وحرص عليه في الحياة العامة، غير أن الأستاذ ياسين يخبرنا أن هذا «التجمل» لا يحقق أهدافه إلا أن يكون بزُيال وتميز خاصين بالمجتمع المسلم وثقافته وبيئته، يقول متحدثاً عن مجاراة المجتمعات الغربية في صيحاتها «الجمالية»: «والتشبه في اللباس أول الهزيمة الحضارية. فليكن تغيير زي الفتنة بالزي الإسلامي أول انتصار على موضاتهم، وتكلفهم، وتبرجهم، وتفاهاتهم» . ولا يعني «التجمل» تضييع كل المال على السطح أو كما يقول الأستاذ ياسين: «أن ينفق المؤمن والمؤمنة الأموال على لباسهم» .وهو مظهر من مظاهر الاسترقاق الحداثي.
ويركز الأستاذ ياسين في فلسفته الجمالية على مبدأ «البساطة» في كل شيء في الحياة، مأكلاً ومشرباً وعمارة وسلوكاً وفنًّا، ذلك أن البساطة هي السمة المناسبة للفطرة، البساطة التي هي غاية التأنق في الحقيقة، وأصل الجمال الذي يخلو من كل تكلف، البساطة التي لا تتنافى مع حصول «الجمال» بل هي في صلبه، ولهذا نجده حين يتحدَّث عن العمارة المسجدية يقول منبهاً على أنه ينبغي أن: «تعاد عمارة المسجد إلى بساطة البناء، مع جمال الهيئة، ودون هذه الزخرفة المنتفشة المبذرة، وحول المسجد، متصلة به حسًّا ومعنى، تقام مرافق الدعوة من مكتبة، وحُجَر للضيف، وقاعات للرياضة والنظافة والاستحمام. يعاد للمسجد دفء الحياة، وحرارة الحركة، من برودة الهجران، وجمود العادة. يعمر المسجد بالتلاوة والعلم، ويطهر لذكر الله، ويجمر ويعتنى به، وينزه عن اللغو واللغط، ويحتفل لدخوله بالزينة السنية، والنظافة والطهارة وطيب الريح. يُمشى إليه في ظلم الليل وضحوة النهار. يعمره الرجال والنساء، والشباب، ويكون دخول الطفل إليه أول ما يعقل مناسبة يُحتفل بها ويُشوق إليها» . وهكذا تبدأ التربية الجمالية وتنغرس في نفوس الناشئة.
وفي بساطة العمارة التي نشأت كفن من فنون البصر من مطلب الحاجة للسكن أول الأمر قبل أن تكون سعياً إلى التفنن، يعلم أهل الاختصاص أن هذا الفن يقوم على الرؤية البصرية وعلى الإحساس بمقاومة الثقل والأحجام، فيكون للطابع البسيط انعكاس مريح على النفس من خلال المشاهدة والإحساس البصري الذي ينسجم مع بساطة الحركة داخله، وتمتد هذه البساطة المسجدية لتلتقي ببساطة أخرى هي بساطة السلوك التعبدي، بحيث «يبدأ من أعمال بسيطة أتحرّى فيها طهارة الماء، ومواضع الغسل، وأعضاء الوضوء، وترتيب فروض الغسل والوضوء وسُننهما. أعمال جسدية بسيطة التنفيذ عظيمة المغزى في تطهير حسِّي ومعنايَ. أعمال جسدية بسيطة تتلوها أعمال يشترك فيها حضور العقل والنية وحركةُ الجسم قياماً وركوعاً وسجوداً في الصلاة» .
إنها رؤية معرفية تنطلق من القرآن في توازنه وشموليته وعمقه الذي يقدم لنا «الحنيفية سمحة سهلة بسيطة» .
وتركيز التربية الجمالية باعتبارها تربية إحسانية على البساطة عند الأستاذ ياسين يأتي في سياق حربه على ثقافة الترف التي تمسخ الفطرة وتشوّه معالمها التربوية، كما تتغافل عن حقوق «الإنسان» البسيطة لصالح الحياة الباذخة الزائفة لأقلية من المترفين فيسرع الخراب للعمران، وهنا يلتقي الجمال بالعدل، فـ«العدل أن توضع إمكانيات الدولة تحت تصرف الشعب، فتبنى دور بسيطة صحية بدل أن تبنى للمترفين والموظفين القصور» .
وكما تحتاج التربية الجمالية إلى ترسيخ قيمتي العدل والإحسان والجمع بينهما في النفوس وعلى الأرض، تحتاج إلى تبني منطق التدرج في عمليات «التحويل الثقافي»  أو كما يسميها الأستاذ ياسين بـ«شريعة التدرج»  التي لا تصلح تربية من دونها، يقول الأستاذ ياسين منبهاً إلى خطورة العادات الجارفة ، وكيف ينبغي تبني المصانعة والحكمة في تصحيحها حتى تألف الأسماع كلام الحق سبحانه انطلاقاً من سماع الجميل من كلام غيره: «على أن نتدرج بالرَّكب الإسلامي جميعه إلى السماع الإحساني، وهو الاستماع والإنصات إلى كتاب الله عز وجل يُتلى، ويُرتل، ويُجوَّد، ويتغنَّى به المومنون، من الاستغناء به عن غيره، ومن الغنة وتحسين الصوت» .
واشتقاقه من التغني بالقرآن معنى الاستغناء لإفادة معنى الغاية من التربية الجمالية ألا وهو بلوغ الإحسان، وحينها يصبح سماع المؤمن خاصة هو موسيقى القرآن الداخلية لا غيرها، وهذه تورث لذة لا يعرفها إلا من يتذوقها، لكن هذا لا ينفي اشتقاقاً آخر هو الغنة لإفادة معنى مكمل هو الاستمتاع بالموسيقى القرآنية الخارجية مجسدة في التحسين الصوتي للقارئ، وهو أمر متعارف إذ كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحب أن يسمعه من غيره متلوًّا ومرتلاً، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لعبد الله ابن مسعود: «اقرأ عليَّ القرآنَ، قال: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل، قال: إني اشتهيت أن أسمعه من غيري» .
وجاء في رواية «أحب أن أسمعه»، ينزل القرآن وتنزل رحماته وموسيقاه على قلب المؤمن نزولها على قلبه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقلوب أصحابه، «قرؤوه حلاوةً في اللسان، وأمانةً في جذر القلب، ونوراً في العقل المتفكر المفكر، ودليلاً في خاص الأمر وعامه، وإماماً وحيداً، ومرجعاً فريداً، يبيّنه الرسول الأمين، ويفصّله ويفهمه وحياً على وحي، نوراً على نور» .
هي إذن روح التربية الجمالية كما جسّدها الإسلام في النفوس، وهي بكل تأكيد تقف على طرف النقيض من التربية الجمالية كما تعرضها الثقافة الغربية وفلسفة الفن المادية .
*القسم الثالث: في خصائص الفن الإسلامي
1- الرسالية
لا يتوقف الأستاذ ياسين عن التذكير في جل كتاباته بأننا نحن المسلمين حملة رسالة، فلا بد أن تكون حركاتنا على الأرض، ونفوذنا فيها، وثرواتنا، وقوتنا الاقتصادية والعسكرية، وكل مقوماتنا المادية والمعنوية والفنية في خدمة الرسالة، وتكون نموذجيتنا إشهاراً للإسلام ورحمة .
إنه تأكيد دائم على الأهم وعلى الجوهر الذي لا يمكن أن يمضي الفعل في التاريخ خالياً منه، وإلا استحال الإبداع الإسلامي إلى شعار براق لكنه بارد وحركة مستمرة لكنها جوفاء، إنها الروح الرسالية المسجدية التي تأخذ من عبق الصلاة والاتصال قيمها وتستوحي منه إيمانيتها في كل عمل، يقول الأستاذ ياسين: «مُبلّغون نحن وحاملو رسالة، أعني بِـ(نَحْنُ) كل المتقين من الأمة الإسلامية لا فريقاً من المسلمين وجماعةً وتنظيماً، ما يكون لوسائل الإعلام الإسلامية أن تكون مسجداً، لكنّ روح المسجد، وإيمان المصلين في المسجد، وشورى أهل المسجد، ينبغي أن تتقمص الفنون والمسرح وفُسحة اللهو التي يحبها عامة الناس، وتُنافسنا عنها برذيلاتها الهُولِّيوُودية شبكات الإباحية، لتنقل وسائل الإعلام الإسلامية رسالة الإسلام صافية تَرْفُل في حُلَلٍ من الجمالية الإسلامية وزينة الله التي أخرج لعباده، ولتنقل وسائل الإعلام الإسلامي الخبر الصادق المستقل، والتعليق السياسي النيِّرَ المتحزِّبَ لله ورسوله والمومنين، يكشف أكاذيب الإعلام المتحزب للشيطنة المستكبرة في الأرض، والشيطنة الإباحية في الأرض» .
الرسالية إذن هي الترياق الذي نواجه به موجات الإباحية الفنية وسمومها عند الأستاذ ياسين، هذه الإباحية التي باتت عين الحياة حين أصبح الإنسان لا معنى له، وأصبح الموت لا حياة بعده، إباحية فنية يصبح معها «التهتك فضيلة إنسانية رفيعة، والمتعة زهرة العمر» ، ويصبح غبياً محروماً من لا يقتطفها يانعةً أشكالاً وألواناً، وتصبح المرأة في هذه الخارطة المعرفية هي مركز الرغائب، «جسدها عاصمة الشهوة، وزينتها قمة الحضارة، ورقصها أمام الرجال روح الفن ، والمتعة المباحة المشتركة بها أساس العدل» .
إن رسالية الفن الإسلامي لا تعني امتطاء مهمة سهلة ولا تقلّد وظيفة متيسرة قريبة، بل هي تطرح أكثر من إحراج وتُقيم أكثر من عقبة، ذلك أن الرسالية في فلسفة المنهاج النبوي هي عنوان التربية بما تستلزمه وتتطلبه من مقتضيات ومسؤوليات وإكراهات، يقول الأستاذ ياسين معبراً بوضوح عن هذا الإشكال: «إن تحميل الأدب والشعر والفن رسالة الإسلام وعبء التربية يبدو تعسفاً، يبدو تحميلاً لأمانات ثقال كواهل من طبعها الرقة والرهافة والهشاشة، ولعل الله تعالى يُقيض مجاهدين ومجاهدات في ميادين الكلمة والصورة واللون والتركيب والإخراج والتمثيل يلهمهم تحميل الأدب رسالة الإسلام والإيمان والإحسان، بجمالية تشف عن المقصود لا تحجبه، تنم بتلطف عمَّا وراء الكلمة والصورة والصوت وما تحتهن، تجلو الحقيقة وتزفها للناس في حلل بهية» .
إذن هو تحدٍّ يرفع الفنَّ المسؤولَ إلى ضرب من الجهاد في المنهاج، جهاد بالكلمة وجهاد باللحن وجهاد باللون، جهاد هو عين الإبداع، ذلك أن الجهاد بذل لأقصى درجات الجهد النفسي والجسدي والعقلي، وكله جهاد وتربية، يقول الأستاذ ياسين: «مشاركة كلمة وفن وصنعة بلاغية متلطفة وقول بليغ قوي في مشروع تربية متكاملة تحقن منعة العافية في شرايين أجيال السلامة والإسلام، ما هي التربية؟ التربية الإيمانية الإحسانية صحبة تبلغ أساساً، قدوة تنفذ روحانيته بناء، ثم تطويع العقل والنفس على الاستقامة لله والتعلق القلبي العقلي الكلي برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإلَّا فالكلمة كلام يتكلم، والأدب مؤدب هوائي كما تنفخ نفختك على جمر منطفئ» .
إن رسالية الفن الإسلامي من هذه الزاوية هي التي تعطي القوة لتميّز الإبداع الإسلامي حين يستند إلى الفكرة البانية والقيمة الواصلة ، رسالية قوامها في فلسفة الأستاذ ياسين مقولات مرتبط بعضها ببعض في كيان واحد لتجد التعبير الدلالي عنها في صيغة أولويات متصلة نذكر منها باقتضاب:
أولوية الروح على المادة، وأولوية الذات على الموضوع، وأولوية الحرية على الطبيعة والضرورة.
أولويات لا تعني الإلغاء أو الإسقاط من الاعتبار بقدر ما تعني التقدّم في درجات المعنى والأهمية والنفاسة التي تحقق للإنسان إنسانيته على قاعدة إعادة الاتصال بين العقل والقلب التي ترتفع بالوجود الإنساني أن يبقى «سطحاً بلا عمق، حرفاً بلا معنى، قفصاً بلا طائر» .
2- التوحيد
لا يكون الفن الإسلامي متحققاً بوصفه الوجودي دلاليًّا وتداوليًّا إلَّا ببنائه على أصل التوحيد ومقتضياته التي ترفض أن تطابق بين الخالق والمخلوق حلوليًّا، أو تبادل بين موقعهما تفكيكيًّا في هندسة العقيدة الإسلامية.
خاصية التوحيد تقضي أن تصبح (لا إله إلَّا الله) رمز الإبداع الفني كائناً ما كان، بل وتصبح برنامجه الذي يحرر طاقات الإنسان إلى أقصى مدى ليعيش ويعبر بسموٍ وتعالٍ عن التجربة الجمالية في الحياة، كل أولئك في انسجام وتناغم مع رؤية القرآن الذي رسم بكل روعة وسمو تقلّب الإنسان وسعيه الحثيث للإفادة من التجارب والخبرات السابقة، ذلك أن «من أهم مشاكل بناء الأمة من جديد مشكلُ اقتباس العلوم الصناعية والفنون الاختراعية، ثم إدخالُها في الإسلام، وتسخيرُها لغايتنا وأهدافنا، ثم توطينُها في بلادنا، وعند أولي العلم منا حتى تصبحَ لنا مِلْكاً مستقلاً، حيًّا متطوراً، بحيث ننافِسُ في ميادين الصناعة، وتطوير الوسائل، ما ينتجه اليومَ وغداً خصومُ الإسلام وأعداؤه من وسائل السّلم والحرب. لا نَفْصِلُ الخبرَة العمليَّةَ وأهدافَها الماديَّةَ عن غاية الإيمان والإحسان. لا نُنْتِجُ للاستهلاك الدوابيِّ بل للكفاية والكرامة الإنسانية، لا نصنَع أسلحة للتخريب والعدوان، بل لصد المخربين والمعتدين» .
التوحيد في الرؤية الفنية أساس البناء، أو هو الطريق المتفرد إلى بناء رؤية معرفية مستقلة يرجع فيها الإنسان إلى خالقه، ويتحرك في الاتجاه الصحيح لمخاطبة الفطرة، ذلك أن الفطرة هي الخارطة الجينية الأصلية لمفردات التوحيد، والتي عليها تدور المعارك بين فواعل الإيمان للمحافظة على نقائها ومعاول الهدم والتحريف التي تسعى لتشويهها، فيحتل الفن موقعه من معركة الدفاع عن الروح أو ضدها، يتساءل الأستاذ ياسين في خضم هذه المعركة منبهاً إلى سؤال الانطلاق والبداية وموجهاً إلى الغاية والهدف: «بأي صنعة أدبية، وبأية أداة لغوية، وبأية منهجية تعليمية يعالج الأدب الإسلامي والفن الإسلامي والمسرح الإسلامي والنشيد الإسلامي نفوساً صبغتها قليلاً أو كثيراً الثقافة المادية السائدة ليمس النبضَ العميقَ لفطرة طُمِست فديارها خراب، وأخرى دُنِّست من نكت الزنابير والذباب؟ كيف يلتمس الأدب الإسلامي الرواية والقصة طريقاً ليعانق الفطرة بعد طرق الأبواب والنفاذ إلى اللباب؟ ثم ليغذي طفولة النفس حتى تكتمل رجولة ورشدا؟» .
ولعل مسألة الجمع بين الآيات والقيم هو واحد من أهم مقتضيات الرؤية التوحيدية في الفن، ذلك أن أحد أسباب التردي والانهيار في الواقع الكوني اليوم هو سيطرة فلسفات ومناهج معرفية وفنية تفصل بين الآيات والقيم، والحقيقة أنه لا نزاع في أن الكائن الإنساني يميل بفطرته التي خلقه الله تعالى عليها إلى أن يجد في الأحداث التي تجري من حوله دلالات تجاوز واقعها، وهو يرى في حصولها إشارات تتعدى الظواهر؛ وتحمل إليه هذه الدلالات الدقيقة والإشارات الخفية، معاني بعيدة أو قيماً عليا يشعر بالحاجة إلى الاهتداء بها وإتيان أفعاله على وفقها. إلى أنه بإعراض الإنسان عن الله عز وجل وجحوده ألوهيتَه والتهائه بالأسباب عن خالق الأسباب، يفوته الاعتبار بالآيات الإلهية، فينظر إليها على أنها ظواهر طبيعية، «ويفوته الشعورُ بعظمة محرك الكون سبحانه، ذلك الشعورُ الذي يرده لعبوديته ويهيئه للإيمان. فهو مَغْموطٌ من هذا الحق، حقِّ الاعتبار والخوفِ من الخالق الجبار. قلبُه الذي هو مقر الفهم عن الله مطَوقٌ بإفرازات عقله الذي هو آلة لتعامل الإنسان مع الآيات. طغيان العقلانية الملحدة على روحانية الإنسان وقلبه يَحْرِمه من حقه الأسمى، من آدميته التي لا تتحقق إلَّا بمعرفة الله عز وجل. وتعطيلُ العقل عن وظيفته في تلقي الشريعة وتلقي آيات الله في النفس البشرية، وفي الجسم البشري، وفي الآفاق، يُؤدِّي إلى ضُمور القلب، وتطرُّفِ الروحانية، وخُرافية التفكير، ومن ثم إلى الجهل والجاهلية. فمن حق المسلم ألَّا يَنْطَمِس نُورُ قلبه بتألق عقله، وألَّا يُطفأ مصباحُ عقله بأوهامه النفسية» .
3- الأخلاقية
يرى الأستاذ ياسين في معرض مناقشته لميلاد الفن الإسلامي أن الرسالية والتوحيد يتكاملان إلى جانب الخاصية الأخلاقية ليشكلا الأثافي التي يقوم عليها هذا الفن، فأمام زحف السفالة الأخلاقية وثقافة الخلود إلى الأرض يحتاج الفن، بما هو طريقة من أفضل طرق التعبير التي توصل إليها الإنسان كما يعبر هربرت ريد ، إلى أن يتسلح بالقيم الأخلاقية التي هي بمنزلة اللب ليؤدي دوره التربوي التغييري على أحسن وجه في مخاطبة سائر الأعمار ومختلف الطبقات ومتباين الأجناس.
ويخبرنا الأستاذ ياسين أن الفن الإسلامي الناشئ لا قدرة له –وهو في مهد طفولته وفاقة وسائله- أن يغزو السوق المارقة الماردة ويبطش بازيه ببغاث الطير الإعلامية والمعلوماتية المتوالدة السمينة بما تجنيه من أرباح السحت إن لم يصمد هذا الفن وهذه السينما الإسلامية وهذا المسرح الإسلامي «إلى اللب، إلى الكلمة الصادقة، إلى النبأ العظيم الذين هم فيه مختلفون، نبأ المعاد وخبر الآخرة بعد الموت. يصمد إلى اللب والمعنى ليُخاطب الإنسان الشقي في فقره المادي المشغول بهمِّ المعاش، وليُخاطب الإنسان المتخم الشقي بتخمته في مجتمع الاستهلاك الذي يلهب جوعة الحيوان الإنساني إلى المزيد من وسائل الترف، ويعطش غرائزه بالإعلام الفاضح والإشهار الرازح إلى المزيد من المتعة والتهتك والدعارة. في عصرنا الموحش الكدر القاسي الكئيب يئن الإنسان من الحرمان، فمحروم في فقره وعريه وجهله وسفالة وضعه على رقعة الاستراتيجية الاقتصادية المعولمة، ومحروم بنهمته في تخمته يطلب المزيد، محروم يتردى بشهوته الحيوانية في السفالة الأخلاقية» .
إن الرهان على الخاصية الأخلاقية المكملة يُعطي مزيداً من القوة الدافعة ونقطة ارتكاز للفن الإسلامي حيث يجعل منه الجواب الواعي عن أسئلة النتائج الكارثية للحضارة الغربية، تلك الحضارة التي أنتجت هذه الفنون المعاصرة «جدرانها منخورة، أساسها الفلسفي رثّ تافه حيواني، بناؤها مصدوع. نظافة شوارع جنيف وباريس تخفي قذارة الأخلاق وسرطان الإباحية. قمامات هذه الحضارة المبذرة التكاثرية تنشر في الأرض -خاصة في بلاد المستضعفين- وباء التلوث، قماماتها الثقافية الفنونية العارية الراقصة المجنونة تغطي الكرة الأرضية ببثها التلفزيوني الذي يقتل في الإنسان إنسانيته» .
من هنا يبدو مشروع المنهاج النبوي مشروعاً للدفاع عن «الأخلاقية» وعن «إنسانية الإنسان» كل إنسان بعبارة الأستاذ المسيري ضد كل الدعوات التي تصيح لاغتياله واختزاله وطحنه في رحى المادية والتحلل والسيولة.

 


 

 عدد القراءات ( 256 )

  لقراءة التعليقات حول هذا الموضوع  أضغط هنا  

 

           

 


التعريف | قواعد النشر | هيئة التحرير | شروط الإستخدام | مجلات صديقة

 
 
 


3825485